النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود (15).. لماذا ترددت مصر في الدخول للحرب وما شروطها؟

التحرير الإخبـاري 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ملخص

الوقائع السابقة مباشرة للنكبة كان لها تأثير بالغ على طبيعة القرارات والإجراءات التى اتبعتها مختلف القيادات العربية، وقد كانت مدفوعة جميعها؛ بصور مختلفة المقدار والتأثير، بفكرة التنافس على الزعامة، والتخطيط لمشاريع متضاربة والعمل على تنفيذها.

الموقف الرسمى لمصر من القضية الفلسطينية فى الأشهر والأيام التى سبقت النكبة كان مستندا إلى عدة اعتبارات موضوعية، وأخرى هى بطبيعتها وليدة متغيرات متسارعة للغاية، فى نهاية المجلد الأول من كتاب المؤرخ عارف العارف "النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود"؛ المكون من ثلاثة مجلدات، الذى يسجل فيه أهم ما جرى من وقائع في فلسطين من اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم 29 نوفمبر 1947 إلى اليوم الذي انتهى فيه الانتداب البريطاني وانسحاب الجيش البريطاني من البلاد فى 14 مايو 1948، نتبين إلى أى مدى كانت مصر مترددة فى الدخول إلى الحرب، وأنها كانت آخر الملتحقين بالبحث فى كيفية ذلك، ويمدنا ما ذكره اللواء أحمد المواوى، قائد القوات المصرية فى الحرب، عن اللقاء الذى جمعه برئيس الوزراء، النقراشى باشا بالصورة السياسية العامة، التى حكمت تصرفات الساسة، وحدد قدرات العسكريين، فالمواوى يذكر أنه فى يوم 10 مايو 1948 (أى قبل بدء القتال بخمسة أيام) قابل محمود النقراشى باشا، رئيس وزراء مصر يومذاك، فى رئاسة الجيش (فى القاهرة)، وأن النقراشى قال له بعد أن استمع إلى تقريره عن الوضع السيئ للجيش المصرى: "سوف تسوى المسألة سياسيًا وبسرعة، وأن الأمم المتحدة ستتدخل، وأن الاشتباكات لن تخرج فى حقيقتها عن مظاهرة سياسية، وليست عملًا حربيًا".

كان وجود مقر الجامعة العربية فى القاهرة، وكون الأمين العام، عبد الرحمن عزام، مصريًا، أول تلك المحددات، لكن نظرة تاريخية خاطفة تبين لنا أن انشغالات الدول الأعضاء فى الجامعة بالقضية الفلسطينية كان متباينا، وأن جذور ذلك التباين قريبة جدا من الوقائع السابقة مباشرة للنكبة كان لها تأثير بالغ على طبيعة القرارات والإجراءات التى اتبعتها مختلف القيادات العربية، وقد كانت مدفوعة جميعها؛ بصور مختلفة المقدار والتأثير، بفكرة التنافس على الزعامة، والتخطيط لمشاريع متضاربة والعمل على تنفيذها".

وقد يكون مناسبا أن نعود لتقديم الدكتور نبيه أمين فارس لكتاب "يقظة العرب"، وهو يصف طبيعة الدور المصرى فى "القضية القومية"، فيذكر أن "الفكرة العربية الحديثة لم تدخل صلب الحياة السياسية فى مصر والسودان وشمال إفريقية والمغرب الأقصى إلا بعد سنة 1936 فقد نشأت الحركة الوطنية فى مصر قبل نشئوها فى البلدان العربية الأخرى وسارت فى مجرى منفصل عن مجراها فى البلاد العربية الشقيقة منذ أن أصبح لمصر كيان سياسى محدد فى عهد محمد على باشا فى مطلع القرن التاسع عشر. وقد شغلت مصر بأحداثها الداخلية، وأهمها مشكلة الاحتلال البريطانى (1882 - 1904) وعلاقتها بالسودان، وانصرفت لها كليا. والحقيقة أن اتجاه الحركة القومية فى مصر كان، وبقى حتى قيام الثورة المصرية الكبرى (1952) اتجاها مصريا إسلاميا إلى حد بعيد. وأن مصر لم تخرج من عزلتها وتتبنى قضية العروبة بشكل واضح إلا فى أواخر سنة 1942، عندما هب رئيس وزراء مصر آنذاك، مصطفى النحاس باشا (فى خطاب ألقاه فى 13 نوفمبر) ووضع مصر على رأس الحركة القومية العربية وذلك خشية أن تنتقل الزعامة إلى العراق".

ويلفت، فارس، إلى أن فكرة الجامعة العربية طرحت بصورة سافرة لأول مرة فى بيان ألقاه أنطونى إيدن، وزير خارجية بريطانيا، فى يوم 29 مايو 1941، ومما جاء فيه: "إن كثيرين من مفكرى العرب يرغبون فى أن تتمتع الشعوب العربية بنصيب من الوحدة أكبر من النصيب، الذى تتمتع به الآن. وهم يأملون منا المعاضدة فى بلوغ هذه الوحدة، ولا يجوز لنا أن نغفل أى نداء يوجهه إلينا أصدقاؤنا فى هذا الصدد. ويبدو لى من الطبيعى ومن الحق أن تتوثق الروابط الثقافية والاقتصادية، والروابط السياسية أيضًا بين الأقطار العربية. وستعاضد حكومة جلالته، معاضدة تامة، أى مشروع ينال الموافقة العامة".

ويعلق، فارس، قائلا: إن بيان إيدن "جاء إنذارًا لمصر بأن زعامتها للعالم العربى قد تتعرض لخطر كبير إذا قام اتحاد بين أقطار الهلال الخصيب. وقد دفع هذا، خلال السنوات الثلاث التالية، مصر إلى الانهماك بأمر زعامتها العربية وكاد أن يصرفها عن متابعة قضية الاستقلال".

وبعد ما يقرب من سنتين، كرر إيدن فى 24 فبراير 1943 الفكرة نفسها فى مجلس العموم البريطانى، وأضاف أن الخطوة الأولى فى سبيل هذه الوحدة يجب أن تأتى من جانب العرب أنفسهم، فجاءت، بالفعل من قبل المصريين على الرغم من أنهم كانوا آخر من سار فى قافلة القومية العربية، ووجهت الدعوة إلى الحكومات العربية، فاجتمع ممثلوها فى الإسكندرية فى 25 سبتمبر 1944. ثم صدر فى 7 أكتوبر "بروتوكول الإسكندرية"، الذى اقترح تأسيس جامعة الدول العربية، والتى صدر ميثاقها بالفعل فى 22 مارس 1945.

فكرة قيام اتحاد بين أقطار الهلال الخصيب التى يذكرها الدكتور فارس كانت خططا فعلية يسعى لتنفيذها الملك عبد الله بن الحسين، الذى كان يعتقد أن عمان محطة إلى مملكة واسعة، وهي مملكة "بلاد الشام" (سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن)، وهى المساحة التى ظل والده، الشريف حسين يقول إن الإنجليز خدعوه حين تفاوضوا معه كى ينحاز إليهم ويحارب الدولة العثمانية التى كان أحد كبار موظفيها. ولهذا ظل الملك عبد الله يدعو إلى وحدة سوريا الطبيعية، أو سوريا الكبرى، ففي 1941 صدر قرار من مجلس الوزراء الأردني لتحقيق "الوحدة السورية"، التى تشمل: سوريا، والأردن، وفلسطين. وفي عام 1943 تقدم الملك عبد الله بن الحسين بمشروع وحدة سورية شاملة. وفي خطاب العرش عام 1946 طالب بوحدة سورية الطبيعية.

هكذا يمكن أن نضع الوقائع التى جرت قبل أسابيع من الدخول إلى النكبة ضمن الخيارات والأحلام المتصارعة على الزعامة، وقد انعكس ذلك على القرارات والإجراءات فى ميدان القتال بلا شك، ففى بداية عام 1948 تبلورت الأفكار العربية تجاه قرار التقسيم فى ثلاثة خيارات محددة: رفض ومقاومة قرار التقسيم -المفهوم طبعا هو رفض ومقاومة الجزء المتعلق بإقامة دولة يهودية- باستخدام القوة العسكرية المكونة أساسا من المجاهدين الفلسطينيين، مع دعمهم بالمتطوعين العرب، وكان كل من: مصر والسعودية واليمن من أنصار هذا الخيار، الخيار الثانى كان يتمثل فى إقامة الدولة الفلسطينية العربية الموحدة بالقوة المسلحة وهزيمة أي إمكانات لإقامة دولة يهودية، وكان أنصار هذا الخيار كلا من: سوريا ولبنان والأمين العام للجامعة العربية، عبد الرحمن عزام، وكانت سوريا ولبنان يران أن تحقيق ذلك يكون باستخدام الجيوش العربية النظامية، بينما كان عزام يميل إلى الاعتماد على المجاهدين الفلسطينيين مع دعم بعض العناصر من الجيوش العربية على هيئة متطوعين، الخيار الثالث كان رأيا لم يجهر به علانية، وكان يمثله العراق والأردن، ويقضى بقبول التقسيم بضم القسم العربى من فلسطين إلى شرق الأردن بدخول قوات الجيش الأردنى إليها، وقد أكد توفيق أبو الهدى باشا، رئيس الوزراء الأردنى، للبريجادير تشارلز كلايتون، ضابط الاتصال البريطانى فى ديسمبر 1947 ثم لآرنست بيفن وزير الخارجية البريطانى فى ربيع عام 1947 أن القوات الأردنية سوف تعمل على احتلال المنطقة، التى تقع فى القسم العربى من التقسيم دون تجاوزه.

انت الان تتصفح خبر بعنوان النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود (15).. لماذا ترددت مصر في الدخول للحرب وما شروطها؟ ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا التحرير الإخبـاري

0 تعليق