أولجا توكارتشوك الفائزة بـ«مان بوكر».. قليل من الوقائع حتى تأتي الترجمة

التحرير الإخبـاري 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ملخص 22be647e75.jpg

علينا إذا أن نذهب خارج الأدب قليلا، نذهب إلى: التاريخ القريب والبعيد، والجغرافيا، وعلم النفس، والاقتصاد، والسياسة بغرض رسم إطار لما يمكن أن تكون عليه الملامح والمحددات الرئيسية التى مكنت "أولجا" من صياغة عالمها الأدبى الذى أهلها لـ"البوكر"

لا يوجد شيء يذكر مكتوب بالعربية عن "أولجا توكارتشوك" خارج ما هو خبرى ومتعلق بجائزة "مان بوكر" لهذا العام، لذلك فإن أية كتابة عنها لا بد أن تحذر كثيرا من الإغراق فى التكهنات، لأنه حتى لو توفرت الإمكانية لقراءة أي من نصوصها الأدبية فى أية لغة من اللغات التى ترجمت لها بعض أعمالها فإن ذلك يحتاج وقتا يطول أو يقصر حسب جهد القارئ، والحال أننا لا نملك من المعلومات إلا ما يمكننا من رسم خطوط عريضة مع الكثير من الخيال، حتى تتاح ترجمات عربية لأعمالها فيمكننا وقتها أن نتخلى عن التخمين والخيال.

علينا إذا أن نذهب خارج الأدب قليلا، نذهب إلى: التاريخ القريب والبعيد، والجغرافيا، وعلم النفس، والاقتصاد، والسياسة بغرض رسم إطار لما يمكن أن تكون عليه الملامح والمحددات الرئيسية التى مكنت "أولجا" من صياغة عالمها الأدبى الذى أهلها لـ"البوكر".

ولدت "أولجا" فى سنة 1962، فى قرية تقع غرب بولندا، بالقرب من الحدود مع ألمانيا (الديمقراطية/ الشرقية)، وفى أيامها الدراسية الأولى (1980) فى جامعة وارسو- عاصمة بولندا- بدأ الاضطراب السياسى الكبير والمتنامى ضد الحكم الشيوعى؛ وظل هذا الاضطراب لنحو عقد كامل. فى سنى دراستها فاضت طاقتها خارج الجامعة، وخاضت تجربة مؤثرة كمتطوعة تعين المراهقين على تجاوز مشاكلهم السلوكية والنفسية، وهى إذ تخصصت فى الطب النفسى، تعمقت فى دراسة نظريات كارل جوستاف يونج (1875- 1961)، وباتت تعتبر نفسها تلميذة مخلصة لمدرسته فى التحليل النفسى وامتداداتها التى تفاعلت مع مجالات مثل: الفلسفة والأنثروبولوجيا والآثار والأدب والدراسات الدينية، وستعترف كثيرا بأن كتابات يونج شكلت مصدر "إلهام" ثرى ومتدفق نهلت منه فى عملها الأدبى.

بتخرجها تركت "أولجا" العاصمة وذهبت إلى الريف، غربا، مرة أخرى، وبدأت تمارس تخصصها العلمى فور تخرجها (1985)، ولبضع سنوات حاولت الجمع بين "المهنة" و"الهواية"، حتى بعد أن نشرت أولى أعمالها الأدبية (1989)، وهو مجموعة من القصائد بعنوان "المدن فى المرايا"، قبل أن تقرر التفرغ للأدب نهائيا بظهور روايتها الأولى "رحلة الكتاب- الناس" (1993). ولعشر سنوات بعد ذلك واصلت "أولجا" طريقها الأدبى داخل بولندا قبل أن تبدأ ترجمة أعمالها إلى: المجرية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الإنجليزية، الروسية، اللتوانية. تُقرأ إذا "أولجا" فى هذه اللغات منذ عقد ونصف، وهى الدائرة الثقافية الأقرب المحيطة ببلدها، ثم كانت نقلتها إلى السينما دفعة أخرى لمزيد من الشهرة فى محيط الثقافة الأوروبية، إذ حاز فيلم "سبوور" المأخوذة قصته عن رواية لها على جائزة الدب الفضى من مهرجان برلين السينمائي الدولي السابع والستين (2017).

thumbnail_الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك

فى السنوات العشر (1989- 1999) صنعت "أولجا" مكانتها الأدبية داخل بولندا، ومع بدء ترجمة أعمالها إلى اللغات الأوروبية بدأت الأنظار تتجه لها، ونالت عدة جوائز داخل وطنها ومن بلدان أوروبية.

هذه هى المحددات التاريخية المحيطة بعالم "أولجا" الأدبى: عقد كامل من الاضطراب السياسى والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات الطابع المشهدى الهائل، حيث تبدو لأول مرة فى المعسكر "الاشتراكى" حركة جماهيرية واسعة وواثقة من النصر، وهى "حركة تضامن" التى قادها عمال ميناء "جدانسك" على بحر البلطيق، ظلت لنحو عقد كامل تتظاهر، وتضرب عن العمل، وتتحرك على كل المستويات حتى وصل ممثلها للحكم وتغيرت طبيعة النظام السياسى كليا قبل أن تمتد شرارتها إلى باقى دول المعسكر وصولا إلى تفكك الاتحاد السوفيتى نفسه. سنوات التحول الكبير تلك هى السنوات التى بدأت فيها "أولجا" تعى العالم من حولها وتفكر فى طريقها الأدبى، ثم كان تأثير يونج الهائل، والعاملان تفاعلا مع قراءتها لتاريخ بلدها، ليتشكل من كل هذا منظور "أولجا" الخاص للتاريخ والثقافة وعلاقات الإنسان والمصير.

فهى إذا تنظر إلى تاريخ بلادها ترى أن موطنها كان طوال تاريخه معبرا لجيوش أوروبية متحاربة، والقرى التى أقامت، وما زالت تقيم فيها فى غرب بولندا خير شاهد على ذلك، ففى الغرب تتقاطع وتتعارض مصالح دول وأمبراطوريات كبرى، وبالمثل فى الشرق، فى قرى غرب بولندا عرفت "أولجا" تاريخها جيدا حيث اقتطعت لمئات السنوات هذه البقاع لدول أخرى: المجر، النمسا، بروسيا، ألمانيا، فى الشرق جرت فظائع ضد اليهود، ففى النصف الثانى من القرن الثامن عشر وقعت مذابح هائلة بحق اليهود البولنديين لإجبارهم على اعتناق الكاثوليكية.

هذا التاريخ وتلك الجغرافيا الدموية تفاعلت مع أفكار ونظريات يونج التى تعتبر أن الحاضر هو لحظة تفاعل للماضى وللمستقبل معا، الزمن عندها كما النفس البشرية فى حالة سيلان دائم، من هذا العالم استمدت "أولجا" مادتها الأدبية الخام.

thumbnail_أولجا توكارتشوك

الوقائع المتراكمة طوال العقدين الماضيين فى حياة البولنديين تكشفت عن "أزمة كبرى" فبينما كانت "الآمال" كبيرة أضحى الواقع أشبه بكابوس، فالحزب الحاكم، بتوجهه القومي المُحافظ ونهجه القمعي يعمل بشكل حثيث على إلغاء الليبرالية الاجتماعية التي ازدهرت منذ انهيار الشيوعية، وأعادت بولندا إلى الجذور الكاثوليكية الرومانية ذات الطابع المحافظ. الاتهامات تطال كل مسعى للنخبة الحاكمة، فهى تعمل على تحييد المحكمة الدستورية، وتحويل وسائل الإعلام إلى أداة دعائية، ونقط المقاومة الفعالة قادتها النساء وأجبرت الحكومة على التخلّي عن حظر مقرر على الإجهاض.

تتحدث "أولجا" عن مصادرها، وتصوراتها، ورؤيتها، فتتذكر: نشأت في زمن شيوعي تحت دعاية قوية للغاية. أعرف كيف تعمل الدعاية؛ يمكنها أن تمتص الطاقة الفنية بأكملها من كتاب، رسام، وما إلى ذلك. هناك "دعاية" قوية الآن في بولندا. لا أتذكر مثل هذه الدعاية القوية حتى في طفولتي في ظل الشيوعية. هذا، الآن، هو أقوى بكثير وأكثر تطورا، وذلك باستخدام قوة الإنترنت والأخبار المزيفة. تريد حكومتنا إنشاء آلة دعاية. إنهم يريدون التحكم في التاريخ وتعريفه، وإعادة كتابة الذاكرة حول ماضينا، ومسح أي جانب مظلم. في مثل هذا الوقت الذي نعيش فيه الآن في بولندا، يكون دور الكاتب مميزًا للغاية. يجب أن نكون صادقين ومحترمين، أن نكتب عن العالم بالطريقة الصحيحة".

تقف "أولجا" ضد توجهات النخبة الحاكمة فى بلدها، وهى تلاحظ تأثير آلة الدعاية الحكومية: "من المثير للاهتمام بالنسبة لي أن الحروب المعاصرة لا تجري في الشارع أو بالأسلحة، ولكن مع الكلمات والروايات. يمكننا أيضا أن نرى ذلك مع روسيا وبوتين. إنها مسألة من يستطيع أن يحكي القصة بشكل أفضل".

مشغولة "أولجا" بموقعها وفاعليتها فى العالم، كما هى مشغولة بموقع بلدها فى أوروبا، ودور الأدب فى الحياة والعالم، وهى تلاحظ الفرق بين موقعها والمواقع الأخرى فى أوروبا: "أعتقد أن الأدب في وسط أوروبا لعب دورًا مختلفًا في التاريخ مما كان عليه في الغرب. على سبيل المثال، كان الأدب في أوروبا الغربية أكثر لقضاء وقت الفراغ والسرور، لإثراء الطبقة المتوسطة لتجربتهم في الحياة".

أما بالنسبة لها، بالنسبة لبولندا، بالنسبة لوسط أوروبا: "الأدب لعب دور سلاح. دعنا نقول إن هذا الأمر قد أدى إلى استقرار هوية الأشخاص في إطار "أقسام بولندا"، كما ساعد في الحفاظ على اللغة. الأدب كان دائما مهمة. كان دائما سياسيا، متورطا في الأمور السياسية (...) إننا لم نمتلك طبقة متوسطة، كانت بولندا تعاني من مشاكل اقتصادية، وتحدثت الطبقة الوسطى بلغات أخرى- الألمانية والروسية- التي كانت جزءًا من مجتمعات أخرى. إذا لم يكن لديك طبقة وسطى فلن يكون لديك قراء! إذا كان لديك الملايين من الأميين، فلا يوجد سوق للكتب. في بولندا كان الشعر له شعبية كبيرة. لدينا اثنان من الفائزين بجائزة نوبل في الشعر. بالنسبة للرواية كان الاهتمام أقل والدور أصعب".

وهى تقدم منظورها الأدبى بجلاء، استنادا إلى وقائع التاريخ والحياة: "أعتقد أن لدينا مشاعر مختلفة من الواقع. واقعنا ليس مستقرا كما هو في المملكة المتحدة، في هذه الجزيرة كل شيء هو نفسه، في كل وقت، المباني القديمة والحانات القديمة (..) أما إذا كان لديك عاصمة للبلد مثل وارسو، التي دمرت بالكامل أثناء الحرب (العالمية الثانية 1939 - 1945)، فعندئذ يمكنك أن تفعل ما تشاء في الأدب لأن كل شيء قابل للتغيير، مائع. هذا الشعور بسلاسة الواقع قوي جدا. نحن لا نثق في فكرة سرد قصة من البداية إلى النهاية بطريقة كلاسيكية لأنها ببساطة غير صحيحة. لا يحدث شيء بهذه الطريقة الخطية الجميلة، لأن فكرة أن التاريخ مجرد سرد خطي هو بالطبع إسقاط".

انت الان تتصفح خبر بعنوان أولجا توكارتشوك الفائزة بـ«مان بوكر».. قليل من الوقائع حتى تأتي الترجمة ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا التحرير الإخبـاري

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق