«اليوزباشي الأحمر».. مقاطِع من سيرة يوسف صديق «المفترى عليهِ»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في فبراير 1953، افترحَ الكاتب بمجلة «صباح الخير»، حلمي سلام، تكوّين صورة جماعية، تضُم أعضاء مجلس قيادة الثورة، فالتقطَ مصوّر دار الهلال صورة تذكاريّة للأعضاء، على أن يتم توزيعها بمثابة هدية مع مجلة «المصوّر»، ولكن قبل توزيع الصور، اتصلّ عبدالناصر بالصحفي، وقال لهُ: «أنا لا أريد أن يرانا الناس اليوم، وبعد فترة يجدونا نقصنا اثنين»، سألهُ الصحفي عن هوية من سيتم الإطاحة بهِم من المجلس، فأجاب: «يوسف صديق وعبدالمنعم أمين».

في كادر بعيد، وبملابس منزلية تليق بربّ أسرة متقاعد، كان يجلِس يوسف أفندي منصور صديق داخل منزله، في ذكرى 23 يوليو، يرى احتفالات أعياد الثورة، تمُر كل عام ويحضرها جميع الناس من عسكريين ومدنيين، ولكن يوسف لم يتم دعوته ولا مرة واحدة للاحتفال، فقط كانت المقالات تُنشر معنّونة بـ«يا منْ تحبون الثورة، اذكروا يوسف صديق»، لأنهُ ظُلم في حياته وبعد مماته، فهو من قَام بالدور الرئيسي الذي مكّن الضباط الأحرار من تنفيذ سياستهم، ولكن ألقوه رفاقِه في «غيابةِ الجبَّ».

حُذف يوسف صديق من المشهد، ففي يناير 1955، أى بعد عامين تقريبًا من قيام الثورة، عقب ولادة حفيدُه، كان يجلِس يوسف داخل جُدران السجن الحربي، يكتُب:

«إن الرسالة في أسمائنا لمعَت.. فحملتنا ثواب الهدى بالنور
ونحنُ نعلم أن السجن منزلنَا.. حتى تُدك حصون الإفك والزور»

(1)


خلال المرحلة الابتدائية، اندلعت ثورة 1919، كان يوسف حينها طالب صغير، يسير بجانب سور المدرسة، لكنه يشاهد ثورة الشعب، طوابير السير التي كان الفرسان البريطانيون يقومون به من حين لآخر في شوراع المُدن وهم يمتطون خيولهم ويحملون أسلحتهُم، وفقًا لكتاب «أوراق يوسف صديق»، تقديم عبدالعظيم رمضان.

كان والده موظفًا صغيرًا، يُردد على أولاده آناء الليل وأطراف النهار حكمتهُ الفلسفية الدائمة «نمشي جنب الحيط»، إذ كان يرى الوالد المُحافظ أن الشبان الذين يقومون بالمظاهرات ويشتبكون في معارك مع البوليس هم شُبان «مجانين»، لذا كانت أوامره ليوسف وأخوته «العودة بسرعة إلى المنزل بمجرد سماع صافرات النداء إلى الإضراب».

وبطبعهِ الريفيّ، طبّق يوسف نصائح والده، إلى أن خالف النصائح في أحد الأيام، إذ وقف وسط الحشود، ليسمع شرح الخطيب للأسباب التي تدعو للإضراب، كما سجّل في مذكراته بدايات حياته الثوريّة: «في الحقيقة أن الخطيب قد أخذ بمجامع قلبي، حرك في أعماقي ذلك الشعور بالكراهية للإنجليز الذي كان مختزنًا في قلبي».

(2)

«كُنت أعتقد دائمًا أن الجيش هو الملاذ الوحيد الذي يستطيع حل المشكلة، حتى أننى فكرت ذات يوم أن أقوم وحدي بالثورة وأنا واثق من أن الكثيرين من الضباط سيقفون في صفي، لكن حالة العربات التي كانت تحت يدى لم تكُن صالحة لنقل قوتي إلى القاهرة».. التحق يوسف بعدها فيما بعد بالجيش، فظلّ متمسكًا بالأفكار الثوريّة، حتى أنه اعتنق الأفكار الشيوعية في فترة من حياته، ثم تخلّى عن الأفكار في بداية الخمسينيات.

في بدايات أكتوبر 1951، وصل يوسف إلى رتبة البكباشي، ثم انضمَ بعدها إلى الضباط الأحرار، حتى يُحقق الثورة المُختزنة في صدره، ويندّد بالحكم الملكي الفاسد.

(3)

تقول ابنة يوسف، سُهير في كتاب «أوراق يوسف صديق»: «في يوم 20 يوليو، زارهُ في منزلنا بحلمية الزيتون، شاب طويل أسمر (عرفت فيما بعد أنه جمال عبدالناصر)، إذ وجدوا والدي غارقًا في النزيف، أخذ يرجّع من فمه دماء كثيرة، وكنا نضع له الأوعية لكّى يرجع فيها الدماء، إذ أبلغوه حينها أنه تقرّر القيام بالعملية، ليلة 23 يوليو».

كان يوسف مريضًا، يرقد غارقًا في الدماء بين أوعية سريرهُ النحاسي، فقررّ حينها عبدالناصر وعبدالحكيم عامر، إلغاء دوره وإعفائهُ من العمل في هذه الليلة التي انتظرها طويلاً، حسبْ شهادة ابنتهُ، ولكنه رفض وأقنعهُما بأنه يمكنه القيام بالدور المرسوم لهُ بدون أى تعرض للخطر، إذ يحضر بقوته الصغيرة المكونَّة من 60 جنديًا، إلى رئاسة الجيش بعد احتلالها.

في ليلة 23 يوليو، وسط لهيب الطقس الحَار والاستعدادات المُكثفة، ذهب يوسف إلى منزله في حلمية الزيتون، فتحتْ زوجته الباب، فوجدته مهوّش الشعر فيما يحتل البريق عينيه، فسألتهُ: «مالك يا يوسف عامل كده، تكونش رايح تفتح عكّا؟»، صمتْ يوسف، ولم تفهم زوجته ما حدث، سوى أنها استمتعت إلى الراديو الذي كان يبَّث أخبار الانقلاب.

كتبَ يوسف في مذكراته فيما بعد، عن ليلة ثورة يوليو: «رغم نزيفي المُستمر في تلك الليلة، شفاني ربي، أخذت حقنة واحدة مُضادة للنزيف، شُفيت منه، ولم يعاودني بعدها رغم ما قمت به من جهد جسماني عنيف وحركة دائبة اقتضتها ظروف العمل».

(4)

لم يكُن الوضع هادئًا داخل مجلس القيادة، حسبْ وصف الكاتب أحمد حمروش، في «أسباب الخلاف بين يوسف صديق ومجلس قيادة الثورة»، إذ جاءت قرارات مثل حل الأحزاب في 17 يناير وتشكيل مجلس قيادة الثورة، لم يقبل يوسف صديق مبدأ اعتقال الضباط بعد معارضته الشديدة لاعتقال السياسيين، وقرر الاستقالة معلنًا أن ضميره لا يمكن أن يستريح وهو عضو في مجلس يصدر قرارات تُخالف أفكاره وعقيدته.

بعد قبول استقالته من مجلس قيادة الثورة، سافر يوسف مارس 1953، إلى سويسرا، وبعد 3 شهور طلب العودة إلى وطنه، ولكنهم رفضوا، فسافَر إلى لبنان، واصفًا من هُناك إحساسه المرير بالمنفى والغربة خارج البلاد، بأنه كالشهيد الذي دخل الجنة، وعندما طلب العودة مرة أخرى، رفضوا وأرسلوا له زوجته وأبنائه، ولكنه عاد سرًا في أغسطس 1953 وتم تحديد إقامته.

في إبريل 1954، قام «الرفَاق»، حسبْ وصف ابنته، بالقبض على يوسف صديق، حتى أودعوه سجن الأجانب، المرحلة التي هاجَم فيها عبدالناصر من خلال 3 قصائد؛ «فرعون»، «المجد الزائل»، و«استقبَال الصديق».

في مايو 1955، أُفرج عن يوسف صديق، خرج من السجن الحربي، وتقرّر تحديد اقامته في منزله بحلمية الزيتون، ثم ذهب مع زوجته وأولاده ليعيشوا في عزبة النخل، حتى وقع العدوان الثلاثي سنة 1956، فحشد يوسف صديق للمقاومة الشعبيّة بمنطقة عزبة النخل.

(5)

في صيف 1970، أمر جمال عبدالناصر بسفر يوسف صديق إلى الاتحاد السوفيتي للعلاج، إذ كان يُعاني من مرض السكر وارتفاع الضغط، وأثناء فترة العلاج، توفى عبدالناصر وتولى أنور السادات الحكم، فأرسل يوسف برقية عزاء للسادات، وفي نفس الوقت قصيدة رثاء في عبدالناصر، بعنوان «دمعة على البطل».

ظلَّ يوسف يقاوم المرض، إلى أن سقطَ 31 مارس 1975، وقبل وفاته كتب عدد من الصحفيين مقاطع من سيرة يوسف «المفترى عليه»، حسبْ مقال الكاتب، أحمد حمروش، بالإضافة لما كُتب في مجلة نداء، باسم «يوسف البطل»:

«إن هذا الرجل الذي وضع رأسه على كفة ليلة 23 يوليو، ثم لم يطلب ثمًنا، ولا منصبًا، ولا ثروة، ولم يسمح لمطمع شخصي بأن يجرفه عن طريق الثورة، هذا الرجل جدير بأن تُحيط به في محنة مرضه، عواطف كل الذين أحيتهم ثورة يوليو من عدم، وحوّلتهم من عبيد إلى أحرار، ومن رعايا إلى مواطنين، وأى الرجال أجدر بالحب والدعوات والأمنيات الطيبة من رجل كل ثروته في الحياة أنه أدى واجبه؟».

في صباح 1 إبريل 1975، شُيعّت جنازة يوسف صديق عسكريًا، إذ حمل الجثمان على عربة مدفع تجرّها الخيول ولفّ النعش بعلم الثورة، إذ سارت الجنازة من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير إلى جامع شركس، واشتركت في تشييع الجنازة وحدات رمزيّة من طلبة الكليات والمعاهد العسكرية، حاملين أكاليل الزهور، حتى وصل الجثمان إلى مدافن البساتين، أُطلقت 21 طلقة تحية للبطل، وعُزفَت نغمة «نوبة رجوع» الجنائزيّة، بينما كانت آخر أمنية للبطل ألا يصبح نسيًا منسيًا.

انت الان تتصفح خبر بعنوان «اليوزباشي الأحمر».. مقاطِع من سيرة يوسف صديق «المفترى عليهِ» ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق