«الإسلام» لا يعنى إنكار المسيحية ولا اتهامها

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى أى احتدام أو صدام طائفى أو محاولة افتعال صدام (إسلامى- مسيحى) فى مجتمعنا يبرز رأى لدى أفراد من المسلمين يؤدى إلى انزعاج لدى كثير من المسيحيين فى مصر وفى بلاد المنطقة، إذ يذهب هؤلاء إلى أن القرآن الكريم لا يعترف بغير الإسلام، ولا يرى دينا غيره، ويستند هؤلاء للآية القرآنية الكريمة رقم 19 فى سورة آل عمران «إن الدين عند الله الإسلام»، وكذلك الآية رقم 85 من نفس السورة «ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه».

والحق أن كثيرا من المتشددين كانوا يتعمدون ترديد الآيتين الكريمتين من بين آيات القرآن الكريم، التى تتجاوز ستة آلاف آية، ليس اعتزازا بهما ولا تفقها وتعمقا فى فهمهما، ولكن لمكايدة غير المسلمين، وتحديدا المسيحيين، وكان المسيحيون يستمعون إلى الآيتين ويتألمون فى صمت لهذا الإنكار الذى يقابلون به، ورغم صراخهم مراراً وتكراراً بأنهم مؤمنون، وأنهم موحدون، لكن أنصار المكايدة كانوا يزدادون إلحافا وضغطا على أعصاب المسيحيين فى مسألة أو شأن لا يقبل الضغط ولا يجوز فيه؛ ذلك أن القرآن الكريم لم ينزله الله لمكايدة فريق من الناس، ولا الطعن فى عقيدة وأتباع الديانات الأخرى، وتحديداً اليهودية والمسيحية.

ونحن تلاميذ صغار بالمدرسة تعلمنا أن المسلم من سلم الناس من لسانه ومن يده، سوف نلاحظ تعبير الناس وليس تعبير المسلمين، ومن ثم فإن المكايدات اللفظية والكلامية لا تعد من الإسلام، لأنه مقصود بها الإيذاء، إيذاء مشاعر الآخرين فى معتقدهم الدينى وفى ضميرهم، وهو ينطوى على معنى خفى سيئ، وهو تنفيرهم من عقيدتهم، بما يعنى دفعهم نحو التخلى عنها أو هجرانها، والبعد عنها، أو الاستعلاء العقائدى عليهم.

وتعلمنا كذلك فى المدرسة أن الإسلام يعنى أن تسلم وجهك وقلبك لله رب العاملين، والمعنى أن يكون الظاهر والباطن لله، الشكل والمضمون.

الذين حاولوا توظيف بعض آيات القرآن الكريم لمكايدة من يعتبرونهم خصوما وأعداء أصابوا المجتمع أو حاولوا إصابته بنوع من التفسخ والاحتدام الطائفى، فضلا عن الأزمات التى لا تنتهى بسبب عمليات بناء دور العبادة، لغير المسلمين فى مصر، وفى المقام الأول المسيحيون المصريون، وإذا كان الأمر بدأ بالمكايدة والمناكفة، فى خطبٍ ببعض الزوايا أو برامج فى فضائيات مشبوهة، فإنه انتهى إلى عمليات ارهابية واعتداء على دور العبادة، بمحاولة إحراق وتدمير أكبر عدد من الكنائس، فضلا عن قتل مصلين وهم يصلون داخل كنائسهم، وسقط منهم قتلى بالعشرات وجرحى، وأصابونا جميعا بالحزن وبالهم.

ومن حسن الحظ أنه جرت مناقشات معمقة حول تعريف ومعنى كلمة إسلام، كما وردت فى الآيات القرآنية، فكثير من المفسرين والشراح كانوا لابد أن يقفوا طويلا عند الكلمة بكل معانيها، وعدد المرات التى ذكرت فى القرآن كله، فقد وردت ثمانى مرات، مرتان منها فى سورتين مكيتين، المكية المتأخرة، وست مرات فى سور مدنية، وتفسير ذلك لدى المفسرين، أن معالم الدين الجديد، لم تكن اتضحت بالكامل فى مكة المكرمة، قبل الهجرة.

ومن حسن الحظ أن دائرة المعارف الإسلامية التى أصدرها لفيف من المستشرقين، وقامت لجنة علمية على ترجمتها بالقاهرة، لم تقتنع بمادة إسلام كما وردت بالموسوعة، ذلك أن المستشرق توماس أرنولد الذى عهد إليه بتحرير المادة قدم فقرة صغيرة عن التعريف، واتجه إلى تقديم إحصاء تاريخى عن وجود المسلمين فى العالم، ولما كانت الأرقام متغيرة، لذا فإن ما قام به لم يكن له قيمة علمية كبيرة، لذا عهدت لجنة الترجمة إلى فضيلة الشيخ مصطفى عبدالرازق، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، وشيخ الأزهر فيما بعد، بتحرير هذه المادة، والحق أنه بما كان لديه من علم غزير وروح منهجية، قدم لنا دراسة حقيقية وعميقة، رغم قصرها الشديد.

قال توماس أرنولد معنى هذه الكلمة الخضوع أو الاستسلام لله، ولم يكن أرنولد منفردا بهذا التعريف، المستشرق جولد زيهر فى كتابه المهم الإسلام عقيدة وشريعة.. يقول: إسلام بمعنى خضوع، أى خضوع المؤمن لله، ويضيف زيهر أن هذه الكلمة هى أدنى من كل كلمة غيرها فى تعيين المنزلة التى جعلها محمد للمؤمن فى علاقته بمعبوده، عليها طابع ظاهر من الشعور بالتبعية لقدرة لا تحيط بها حدود، ويجب على الإنسان أن يستسلم لها مبترئا من كل حول له وقوة، وعلى هذا النحو فى التعريف سار عدد كبير من المستشرقين.

ولم يعجب هذا التعريف كثيرا من الباحثين المسلمين، وقاموا بالرد عليه وتفنيده، ومن هؤلاء أمير على والشيخ مصطفى عبدالرازق وآخرون، لأن هذا الخضوع الآلى يحول مسألة الإيمان والدين إلى مجرد أخذ بظاهر الأمور وحرفيتها، فيفتقد الإيمان بعده الروحى أو اليقين القلبى.

وبغض النظر عن هذا الجانب، فإذا أخذنا بالتعريف الذى استقر عليه عدد من المستشرقين الكبار، فلن نجد الإسلام هنا يتعرض لدين آخر، بالنفى أو الإنكار ولا بالجدل أو الهجاء، هو يريد أن يبنى عقيدة قوامها التوحيد، إلاله الواحد، الأحد، وغنى عن القول أن فكرة التوحيد، لم يكن النبى محمد أول من جاء بها ولا أول من قال ونادى بها، كان التوحيد قائما منذ أيام إخناتون فى مصر القديمة، وهو جوهر دعوة أبوالأنبياء إبراهيم، ثم موسى ومن بعده عيسى، وفى الجزيرة العربية، حيث ظهر محمد، كانت الفكرة موجودة لكنها اختلطت بأمور وأشياء كثيرة، فقد معها التوحيد روحه وجوهره.

فى دراسته بدائرة المعارف، أحاط الشيخ مصطفى عبدالرازق بالكثير من دراسات علماء وفقهاء الإسلام حول معنى إسلام، سواء المعانى اللغوية أو الشرعية.

من الناحية اللغوية، تأتى الكلمة من فعل سلم، وهذا الفعل يرد فى المعاجم اللغوية على معانٍ ثلاثة: الأول بمعنى الخلوص من الشوائب الظاهرة أو الباطنة، ومنها السلام والسلامة بمعنى الخلوص والتعرى من الآفات الظاهرة أو الباطنة.

الثانى: ويعنى الصلح والأمان.

الثالث: الطاعة والإذعان.

أما المعانى الشرعية، فقد جرى الخلاف بين الفرق الكلامية فى فهم معنى إسلام وحدودها لدى المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة والشيعة، وهذه الفروق معروفة جيداً لمن درسوا علم الكلام أو علم التوحيد، والحق أن التاريخ الإسلامى شهد نقاشا وصراعا فقهيا وعلميا طويلا فى هذه القضية.

ويصل الشيخ مصطفى إلى أن القرآن الكريم استعمل من مادة سلم صيغا كثيرة فى معانيها اللغوية كما استعملها العرب، ولكنه استحدث للفظ إسلام وما اشتق منه معنى واحداً شرعياً استعمله فى آيات غير قليلة، وهذا المعنى هو التوحيد وإخلاص النفس لله وحده لا يكون فيها لغيره شريك يعبد وليس إلها، وهو معنى مولد من المعنى اللغوى الذى هو الخلوص والسلامة. ويستشهد فى ذلك بقول ابن دريد فى كتاب الاشتقاق (الجزء الأول) واشتقاق المسلم من قولهم أسلمت لله أى سلم له ضميرى.

وحين يروى القرآن الكريمة قصة بلقيس ملكة سبأ مع نبى الله سليمان، وهو وجد فى التاريخ قبل ظهور السيد المسيح والمسيحيين، وكذلك قبل بعث النبى محمد، نجد مجموعة من الآيات فى سورة النمل، أولها الرسالة التى ألقيت من سليمان إلى بلقيس (ألا تعلوا على وأتونى مسلمين)- الآية 31- وبعدها فى الآية 38 من نفس السورة: قال يأيها الملأُ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين. وفى الآية 42: وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين، ثم فى الآية 44 تقول بلقيس: ربى إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

وحيث إن السيد المسيح والديانة المسيحية، وكذلك اليهودية ديانة توحيدية تقوم على الإيمان بالله رب العالمين، فإن الدين عند الله الإسلام لا تعنى مساسا بها، ولا حجدا لها، بل هى تأكيد لمضمونها.

والحديث مستمر فى مقالات أخرى.

انت الان تتصفح خبر بعنوان «الإسلام» لا يعنى إنكار المسيحية ولا اتهامها ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق