إبراهيم نصر الله الفائز بجائزة «البوكر»: لا يوجد شيء اسمه أدب النهايات السعيدة (حوار)

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بدأت ملحمة الحياة والمعاناة مع الروائى والشاعر الفلسطينى إبراهيم نصر الله وهو لا يزال صغيرا فقد ولد ليجد نفسه فى مخيم الوحدات بعيدًا عن الوطن الذى حرم منه، سافر فى وجدانه وتنقل بين دفء الماضى فى حكايات الآباء والأجداد عن فلسطين وضبابية المستقبل التى حجبت النور عن نوافذ الخيم، بينما يعصف الحاضر أمام عينيه وهو يتأمل فى قصص الإنسان وآلامه، كونت مآسى النكبة الفلسطينية والمعاناة التى عاشها أعمالًا شعرية وأدبية مازالت محفورة فى وجدان القارئ العربى.

وله الكثير من الأعمال الأدبية والشعرية التى ترجمت إلى الإنجليزية والإيطالية والدنماركية ولغات أخرى، وحاز العديد من الجوائز عن أعماله كانت آخرها جائزة البوكر للرواية العربية 2018 عن روايته «حرب الكلب الثانية».. وكان لــ«المصرى اليوم» هذا الحوارمعه..

■ ولدت فى مخيم الوحدات وعايشت تبعات النكبة الفلسطينية وكل الحروب التى عاشها الفلسطينيون، كيف أثرت هذه الأحداث شخصيتك كروائى وشاعر؟

- من الصعب الإجابة عن سؤال واسع كهذا، لكنك ستجد انعكاسات كل هذه الأحداث فى الأعمال التى كتبتها عن النكبة والطفولة والحياة وما دام هناك اتفاق على أن الطفولة هى أكثر مراحل العمر تأثرا فى البشر، فإنها كذلك لدى، مضافا إليها كل ما شهده الشعب الفلسطينى والعالم العربى من تحولات عشتها، وعانيت من كثير منها.

■ لك تعبير يقول «الإنسان ابن بيئته» رغم كل هذا الكم من المعاناة والمأساة التى شهدتها، لقد كان لهذه المحن وجها إيجابى آخر وهو أنها شكلت عوالم وقناعات وأفكارا إبداعية لك كشاعر وروائى له أعمال أثارت الانتباه والتفت لها الغرب؟

- ورغم ذلك فإننى لا أشكر هذه المحن، مهما كانت مُحرِّضة على الكتابة، فكل الكتب لا توازى وجودنا فى فلسطين التى حُرمْنا منها، وآلاف الشهداء، وملايين الأسرى الذين عُذِّبوا فى السجون الصهيونية لكننى أُقدِّر التحدّى، حين تجد نفسك فى أحوال قاسية، وتتجاوزها بالجمال، والإنجاز، لا بالضغينة، وتشكيل مواقف سلبية تجاه العالم.

■ تأثرت صغيرًا بشعر إبراهيم طوقان وفدوى طوقان، ماذا وجدت لديهما مختلفًا عن الآخرين؟

- تأثرت أكثر بشعر إبراهيم طوقان، لا من حيث البناء، فهو بناء كلاسيكى، ولكننى تأثرت بدرامية كثير من قصائده، أو لعل هذه القصائد كان لها بالغ الأثر فى عالمى الشعرى لميلى إلى هذا النوع من القصائد.

■ كيف تنظر بعد كل هذه السنوات لديوان نعمان يسترد لونه، والذى يمثل انطلاقتك الشعرية الأولى الكبيرة؟

- هو أحد الدواوين المهمة بالنسبة لى، وأول عمل شعرى ملحمى أكتبه، وبالتالى كانت تجربة كتابته، هى بداية ميلاد أعمال درامية وملحمية وسيريَّة كثيرة لدى، والتى تشكل ربما، نصف إنجازى الشعرى، بدءا منه، وانتهاء بديوانى الأخير «الحب شرير».

■ لك قصيدة قديمة لكنها تستعصى على النسيان وهى «الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق»، وهى ملحمية الطابع ما الدوافع التى سبقت ميلادها حيث أحدثت ردود فعل ممتازة؟

- تصور أننى كتبت هذه القصيدة منذ ثلاث وثلاثين سنة، لكنها متجددة كما لو أنها كُتبت الآن، وبالفعل فإن استقبالها لم يزل حارا، لأنها قصيدة ذات اتجاه ملحمى، قالت، جماليا، الكثير، عن روح الشعب الفلسطينى، وحضاريته، واحترامه للحياة وقدرته على أن يتجدد باستمراركما أن فيها أحداثا وشخصيات وأماكن وأزمنة، كما لو أنها نصف رواية، حتى لا أقول رواية.

■ فى ديوان «مرايا الملائكة» كتبت عن استشهاد الرضيعة إيمان حجو، وقلت إنك كنت تعتقد وقتها أنك لن تكتب الشعر مرة أخرى للأسى والألم والحزن الذى صاحب هذه التجربة الشعرية، لكنك عدت بعد خمس سنوات للكتابة، أى مأساة كانت تفوق حادثة استشهادها دفعتك للعودة؟

- كان موتها معذِّبا لى، فقد كانت جميلة حتى فى موتها، ولذا كتبتُ سيرة متخيلة لها، حتى أراها تكبر، وتذهب إلى المدرسة، وتتزوج وتُنجب. لكن العمل، المكوّن من ثلاثين قصيدة، كان قاسيا جدا على أثناء كتابته، وهذا ما جعلنى أحس أننى لن أكتب الشعر بعده.. وهكذا مرت خمس سنوات قبل العودة للشعر من جديد فى «حجرة الناى». وما أعادنى هو إحساسى بأننى بلغت الخمسين، وبالتالى فإن على أن أقارع الموت بكل أشكاله، كى لا يلتهمنى بيسر

■ قلت إنك تلقيت اتصالًا من والدة الشهيدة الرضيعة إيمان وأخبرتك أنهم لن يستطيعوا قتلها مرة أخرى. ما الذى تمثله لك هذه العبارة؟

- لقد لخصتْ أمُّها المعنى العميق للكتابة الفلسطينية، بجملتها هذه. كنت قد قررت أن أتجاوز فكرة رثاء الشهيد بقصيدة، إلى كتابة عمل شعرى كامل عنه، لأن الشهيد لا يختصر فى قصيدة، وهذا ما جعل إيمان تتحرك وتعيش فى الديوان بعد استشهادها، كما لو أنها نهضت من الموت وواصلت حياتها، وهذا ما سعيت أن أفعله دائما، أن أكتب عن أماكن وقرى من الصعب أن تدمِّرها القذائف، بعد أن تولَد فى الكتابة، وعن بشر لا يموتون بعد أن يتكوّنوا فى رحْم العمل الإبداعى.

■ كثيرون يرون أن أعمال إبراهيم نصر الله تتسم بدراما قاسية وتراجيديا مأساوية، ما تعليقك على ذلك؟

- لا شك أن هناك حالة تراجيدية فى المسيرة الفلسطينية تُملى ذلك علىّ وعلى سواى، وكذلك الحالة العربية كما عبر عن جوانب منها مشروع الشرفات، لكن داخل كل أعمالى تقريبا، هناك السخرية السوداء، حتى فى رواية «حرب الكلب الثانية» ففى ألمانيا قبل أسبوعين كان الناس فى القاعة يضحكون والممثل الألمانى يقرأ فصلا مترجما منها، مما جعل المستشرق الألمانى شتيفان فندرز يميل نحوى ويقول لى: كنت أعتقد أن الرواية قاتمة تماما. هذه السخرية جزء أساسى من أعمالى.

■ معظم الأعمال الأدبية العربية والعالمية اتسمت بالمعاناة والسخط والسوداوية.. هل عالمنا حزين إلى هذا الحد؟

- لا يوجد فى العالم شىء اسمه أدب الأفراح أو النهايات السعيدة، هذا الأدب، إن وجد يكون خفيفا، وصالحا للاستهلاك لا غير. مسيرة البشر للأسف لا تشجع على ذلك، ولذا نجد فى التراجيديا صورتنا، وإن كانت بعض الأعمال «المنعشة» الجيدة، تعطينا فرصا للتنفس بين حين وحين، لكنها غير كافية لعمل ما هو أكثر من هذا.

■من الكاتب المصرى المفضل لدى نصر الله؟

- هناك تنوع شديد وغنى فى الكتابة المصرية، وأطياف متعددة، ومن حسن الحظ أن أى لون بمفرده لا يستطيع أن يشكل قوس قزح. هذا التنوع فى الكتابة المصرية هو جمالها، ولذا أحب كل ما هو جميل فيها.

■ فى روايتك برارى الحُمى، لماذا صورت الشخصية العربية بشخصية التائهة والضائعة التى تبحث عن هويتها؟

- كل عمل روائى له منطقه الداخلى الخاص به، وفى برارى الحُمّى، كانت الشخصية كذلك، تعيش فصاما فى مكان مفصوم، وفى بيئة قاسية مفصومة اجتماعيا وحضاريا.

■ صحيفة «الجارديان» البريطانية صنفت هذه الرواية كواحدة من أفضل عشر روايات عن الوطن العربى، كتبها عرب أو أجانب. هل يهتم الغرب بما نكتبه؟

- بالتأكيد يهتم، واهتمامه متنوع، وله أغراض متنوعة، ما يهمنا أن ينمو الوعى بأهمية الكتابة العربية لدى القراء فى كل مكان بشكل واسع.

■ فى رواية زمن الخيول البيضاء.. أبحرت عكس التيار خصوصًا فيما يتعلق بشخصية القائد العسكرى فوزى القاوقجى والاعتقاد السائد عنه؟

- حين تذهب للكتابة عن التاريخ، أول شىء تفعله هو قراءة التاريخ عبر وجهة نظرك ككاتب، وتحلله، ثم فى الكتابة تطرح رؤياك، وهذا ما حصل بشأن شخصية القاوقجى، ولم أر حتى الآن من يقول لى، أو يكتب، أن قراءتى لهذه الشخصية لم تكن صحيحة، على العكس من ذلك أيدها مؤرخون محترمون، وقدّروا ذهابى إلى منطقة عميقة، جديدة، وجريئة إلى هذا الحدّ، فى تناول هذه الشخصية.

■ أخذت معظم أعمالك فى الدفاع عن قضية فلسطين.. إلى أى حد يمكن أن يؤثر الأدب فى هذه القضية؟

- الأدب هو المؤثر الأهم فى إعادة بناء الهوية الفلسطينية، واليوم ألمس هذا بوضوح كبير، لأن النسبة الأكبر من قرائى هم من الشابات والشباب.

■ «أنا لا أقاتل كى أنتصر.. بل كى لا يضيع حقى» هذه عبارة قالها بطل رواية «زمن الخيول البيضاء» إلى أى مدى ترمز هذه العبارة فى القضية الفلسطينية اليوم؟

- لقد أصبحت هذه العبارة، التى يقولها بطل رواية «زمن الخيول البيضاء» جزءا من الضمير الفلسطينى، لأنها، ربما، عبرت عن جانب مهم من الشخصية الفلسطينية وإنسانية، فالفلسطينى لم يشن الحرب على أحد، بل هم الذين جاؤوا من بقاع كثيرة ليحتلوا أرضه.

■ سلسلة الملهاة الفلسطينية.. تحمل عنوانا يرمز إلى الأمل رغم أن المضمون يبعث على المأساة؟

- ربما يحمل العنوان شيئا أوسع له علاقة باللغة العربية أيضا، وجوهر هذه اللغة، وغناها، لأن جذور كلمة الملهاة بالعربية محتشدة بالدلالات المتنوعة.

■ الزعيم الصهيونى بن جوريون قال «سيموت كبارهم وينسون صغارهم» لماذا كنت حريصًا على الرد من خلال أعمالك خصوصًا فى قناديل ملك جليل.. وزمن الخيول البيضاء على مثل هذه الروايات الصهيونية؟

- الحقيقة أننى لم أرد، بل الذى يرد عليه هو الشعب الفلسطينى، كل يوم، ومنذ أكثر من مائة عام، ويردّ عليه كل عربى يقف مع فلسطين ويراها امتحانا لضميره، وحماية لوطنه، فأسوأ ما يمكن أن يحدث للوطن العربى كله، هو انتصار هذا الكيان العنصرى.

■ إذا كانت القضية الفلسطينية دفعت العديد إلى كتابة أعمال أدبية مؤثرة، كيف تجد ذلك فى ثورات الربيع العربى، هل أثرت على الإبداع والأدب والتنوير؟ وهل هناك أعمال أدبية عبّرت بشكل جيد عن ثورات الربيع العربى؟

- بالتأكيد أثرت، عبر أعمال كثيرة ظهرت، وأخرى ستظهر وهناك روايات كثيرة عبرت بشكل جيد وبخاصة تلك التى كتبها كتّاب سوريون ومصريون.

■ روايتك «حرب الكلب الثانية» الفائزة بجائزة البوكر، الرواية انطلقت من فكرة إذا كان البشر يقتلون بعضهم لأنهم مختلفون، فهل ستنتهى الحروب إذا تشابهوا، إلى ماذا وصلت مع آخر كلمة كتبتها فى روايتك عن هذه الفكرة؟

- لا أظن أن هذه الرواية يمكن أن تلخص فى كلمات، فهى تتأمل قضايا كثيرة متشابكة، وهناك حكايتها، وشخصياتها بما تحمله من دلالات، والرواية هى قبل كل شىء حكاية مختلفة، عن حكايات روايات أخرى، تطرح عبرها رؤاك أيضا فإن ما يشغل الرواية هو أن الأديان والفلسفات والفن والآداب والحكماء والوصايا، كلها مجتمعة، لم تستطع أن تجعل الإنسان واعيا لخطر الحروب والدمار والقتل المجانى للبشر والمخلوقات.. هذا جانب مضمر فى الرواية، وتتأمله عبر صفحاتها.

■ المنظومة الإعلامية والتعليمية فى العالم العربى، هل هى مؤهلة وقادرة على مواجهة التيارات الظلامية وحماية عقول أبنائنا من الأفكار الظلامية والتكفيرية؟

- المنظومة الإعلامية العربية هى صنيعة أنظمة عربية مستبدة، هى الأنظمة أول من جعل الإرهاب جزءا من حياتنا حينما مارسته بشراسة ضد كل المختلفين عن توجهاتها، وهذا ما عشناه مع أول بزوغ شمس الأيام الجديدة لمسيرات الاستقلال!.

■ صحيفة «النيو ستيتسمان» البريطانية أشادت بما تكتبه وقالت: «صوت نصر الله يلقى الضوء على حيوات المهمشين».. إلى أى حد تتفق مع هذا الوصف؟

- بالتأكيد، نصى الشعرى والروائى معنىٌّ بالإنسان الذى يعيش أقسى حالات السحق والاغتراب، ومعنىٌّ أيضا بأسئلة الوجود الإنسانى، وفكرة السلطة الطليقة، بكل تمثلاتها فى حياتنا اليومية والروحية، ومعنىٌّ بالجمال والحب والكرامة الإنسانية.

■ كيف تنظر لجائزة البوكر قبل وبعد حصولك عليها؟

- رغم كل ما يثار حولها، فهى الجائزة التى حظيت بالاهتمام الأوسع، عربيا، وخارج العالم العربى، وعلى كل المستويات القرائية.

انت الان تتصفح خبر بعنوان إبراهيم نصر الله الفائز بجائزة «البوكر»: لا يوجد شيء اسمه أدب النهايات السعيدة (حوار) ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق