الارشيف / أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

دروس آخر العمر

حينما كان صغيرا كان يخال أن البحر ينتهى عند الأفق. وانعقد فى ظنه أن وراء ذلك الأفق جنة موعودة لا يلزمه للوصول إليها إلا أن يسبح إلى نقطة الأفق.

لكنه الآن قد كبر.. صار رجلا ناضجا يعلم أمورا شتى فى الحياة.. منها أنه لا يوجد أفق واحد وإنما آفاق عديدة بعد هذا الأفق.. يعلم أيضا أن الجنة غير موجودة على الأرض اللهم إلا فى الصدور.

لكنه ما برح يتوق إلى تحقيق الحلم: السباحة إلى نقطة الأفق. لقد توارت الأمنية المؤجلة فى صدره بعد أن صار مسؤولا خطير الشأن. إن النسر الشامخ فى أعالى الجبال لا يجوز له اللهو، والفرصة الملائمة لم تسنح طوال هذه السنين.

والآن لعل النسر العجوز قد آن له أن يلهو قليلا.

لقد تمت إحالته إلى التقاعد، وها هو ذا الآن فى إجازة مفتوحة. اصطحب زوجته إلى أحد الشواطئ وشرع يحدق فى البحر الذى تصطخب أمواجه.. إنه يناديه.. يعرف هو ذلك.

يرنو فى كثير من الدهشة والحسد إلى المصطافين الذين يسبحون فى يسر.. يعانقون البحر ويهزمون الموج ويخطبون ود عرائسه ويفتحون المحار ويعرفون لغة الأسماك.

شىء ما ينفث فى روعه أن البحر يرتقبه.. ثمة سر لن يعرفه إلا بين أمواجه.. سر يساوى حياته ذاتها.

ولكن هل تصلح له السباحة وقد أتم ستين عاما؟

ولم لا؟ يمكنه أن يفخر بقوامه الممشوق لشد ما يبدو أصغر من زوجته رغم أنه فى الحقيقة يكبرها بخمسة أعوام، لكنها قد ترهلت إثر الحمل والولادة.

ثم إنه لن يغدو سباحا عالميا ولن يفوز بالسبق فى الأوليمبيات.. إنه فقط يصبو أن يطفو.. يتحدى قوانين الطبيعة.. يُخضعها ولا يخضع لها.. إن الأعماق تناديه.. تجذبه من ساقيه، لكنه لا يذعن لها، ولكن كلا‎‎.. ربما لم يكن الأمر تحديا للقوانين المحكمة، وإنما هو غاية من الانسجام معها.. هو فهم حقيقى لتنهد البحر وصفاء الماء وصدق الملح.. صداقة تنعقد بينك وبين البحر.. إن الصديق لا يؤذى خله الوفى.. أليس كذلك؟

ولكن علام الإغراق فى التأملات؟.. إن البحر أمامه.. وها هو ذا يرتدى لباس البحر فعلام التردد؟

انتفض فى عزم ومضى إلى البحر متقدما فى إصرار حتى غمر الماء بطنه.

فليحذر.. إن ذلك الشاطئ منحدر بشدة وملىء بالتيارات العنيفة حتى إن مسؤولى الشاطئ يريحون أنفسهم ويلوحون بالأعلام السوداء على الدوام.

لا بأس.. فليبدأ درسه الأول هنا وليحاول أن يطفو.

الدرس الأول: اجعل جسدك مستقيما مسترخيا.. وتنفس بثقة.. تنفس بعمق وحينئذ ستطفو.. ثق أنك ستفعلها.. اكتسحته موجة ثائرة لم يصمد لها فامتلأ فمه بالماء المالح.

كلا.. ليس هكذا الاسترخاء.. لم تطف لأن جسدك مقوس من فرط التشنج.. وتصلب العضلات يفضى حتما إلى غرق أمهر السباحين. هب أنك سمكة.. إن الأسماك تسبح فى يسر دون أن تلقنها أمها دروس السباحة.

واكتسحته موجه أخرى وغاص فى البحر المالح.

كح.. كح.

يسمع تدفق الماء فى أذنيه وأنفه.

وقف يعب الهواء عبا.

لا بأس.. فليحاول بطريقة أخرى مادام قد أخفق أن يصير سمكة.. سيبتاع عوامة مما يلهو به الأطفال حتى يتعلم الدرس الأول.

ابتاع العوامة ومضى صوب البحر متأملا.. لن يعبأ بنظرات الاستخفاف والتفكه من حوله.. إن أحدا لا يدرى أهمية الأمر لديه.. هو أخطر شأنا من مجرد السباحة.

حقا ماذا يقول؟

هل يقول مثلا إن حياته ذاتها فى الميزان؟.. يصعب عليه أحيانا تقييم حياته الماضية تقييما صائبا. هل نجح أم فشل؟ لقد أوشك على النهاية دون أن يعرف الإجابة.

(نتابع غدا إن شاء الله).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان دروس آخر العمر ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا