أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

ما أحوجنا إليه!

(١) أحببناه وعشقناه وتعلقنا به منذ طفولتنا وصبانا، ولايزال حبه يملك علينا قلوبنا، ونسأل الله تعالى أن يحفظها ويرعاها إلى أن نوارى الثرى.. عشنا معه فى كل مراحل عمرنا، نحاول- قدر طاقتنا- الاقتراب منه والاقتداء به واقتفاء أثره، ونحاول أيضا- ما وسعنا الجهد - تلقين أولادنا وأحفادنا أن يكونوا أكثر قربا وأعظم اقتداء، أملا فى إعادة تشكيل الحياة لأفضل وضع ممكن.. وقد أرشدنا ربنا تبارك تعالى إلى ذلك، فقال: «لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا» (الأحزاب: ٢١). فى سالف الأيام، كان كل من حولنا؛ الأمهات والآباء، الشيوخ الأجلاء فى المساجد، المدرسون الأكارم فى المدارس، يدفعوننا إلى محبته وتعشقه، ولم يكونوا يدخرون فى ذلك وسعا.. فجزى الله تعالى هؤلاء جميعا عنا كل خير، وجعل مثواهم الجنة وجمعنا بهم فى عليين.. أتصور أن الإنسانية، محليا وإقليميا ودوليا وإلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن ترقى حضاريا ولا أن تضع حدا لمعاناتها وأزماتها، وحروبها وخرابها ودمارها، إلا من خلال وقفة جادة واستعادة حقيقية لمحبته صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.. إن كل آمالنا وأحلامنا أن نكون ممن يفوزون بشفاعته يوم القيامة، والارتقاء إلى شرف صحبته فى الجنة إن شاء الله.. حقا، ما أروع ما قاله شوقى: هو الحبيب الذى ترجى شفاعته.. لكل هول من الأهوال مقتحم.. أحسب أن هناك تقصيرا شديدا، على المستوى المجتمعى العام، فيما يتعلق بالدعوة إلى محبة النبى (صلى الله عليه وسلم) والاقتداء به، الأمر الذى يتطلب إعادة النظر فى طرائق التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد..

(٢) إن من كمال حبنا لله تعالى، حبنا لرسوله صلى الله عليه وسلم.. هذا الكمال الإنسانى المبدع والرائع، الذى يستعصى علينا وصفه والإحاطة بشمائله.. هو الذى جعل للحياة قيمتها ومعناها؛ بهجتها وعذوبتها.. هو الحبيب الذى تعلقت به القلوب، والنموذج الذى تتطلع البشرية إليه عبر الزمان والمكان، والنور الذى يضىء طريق السائرين فى بيداء الحياة، والنسمة الرقيقة التى ترطب النفوس وتريح الأجساد الكليلة، والرائحة الطيبة التى تنعش الفؤاد العليل.. ما أعذب ما قاله شوقى، فى رائعته «نهج البردة»: محمد صفوة البارى ورحمته.. وبغية الله من خلق ومن نسم.. هو الرحمة المهداة للعالمين، كما قال ربنا جل وعلا: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» (الأنبياء: ١٠٧).. هو أيضا يمثل الخلق فى أعلى مدارجه، كما وصفه تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم: ٤). وقد أشار إلى الهدف الأسمى من بعثته فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، بمعنى أنه لم يأت بجديد، بل هو يدعو إلى نفس ما دعا إليه وأرسى قواعده الأنبياء والرسل الكرام من قبل؛ من صدق وأمانة ووفاء وشهامة ومروءة ورجولة وشجاعة وإقدام وبذل وعطاء وفداء.. إلخ... ويستوجب حبه (صلى الله عليه وسلم)، اتباعه والسير على هديه ومنهاجه.. يقول تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» (آل عمران: ٣١)، ويقول أيضا: «من يطع الرسول فقد أطاع الله» (النساء: ٨٠)، وكما جاء فى الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»..

(٣) لقد كان الحبيب (ص) أمام الشورى ورافع لوائها، وذلك تنفيذا لأمر الله تعالى له: «وشاورهم فى الأمر» (آل عمران: ١٥٩)، والمقصد هو ألا يبرم أمرا يخص الأمة إلا بعد أن يأخذ رأيها فيه.. ويقول جل وعلا: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم» (الشورى: ٣٨). وقد رأيناه (ص) يستمع لرأى الحباب بن المنذر أن يعسكر بجنده عند ماء بدر، بل ينزل عند رأيه.. كما رأيناه (ص) يستشير وجهاء الصحابة فى أسرى بدر، ويتبنى وجهة نظر الصديق (رضى الله عنه).. قال يوما لأبى بكر وعمر- رضى الله تعالى عنهما: «لو اجتمعتما على أمر ما خالفتكما».. فى مؤلفه القيم «عبقرية محمد» وتحت عنوان «ملكات شخصية»، يقول الأستاذ العقاد: «كان يوصى بالرئاسة حيثما وجد العمل الاجتماعى أو العمل المجتمعى الذى يحتاج إلى تدبير، ومن حديثه المأثور: «إذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمروا أحدهم». ومن أعماله المأثورة أنه كان يرسل الجيش وعليه أمير وخليفة للأمير وخليفة للخليفة إذا أصيب من تقدمه بما يقعده عن القيادة. وكان قوام الرئاسة والإمامة عنده شرطان هما جماع الشروط فى كل رئاسة، وهما الكفاءة والحب: «أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس علم أن فى العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش رسوله وغش جماعة المسلمين».

(٤) ومن تعليمات الحبيب (ص) وتوجيهاته التى أمر بها ورغب فيها وحض عليها مجموعة من القيم الأخلاقية العليا والإنسانية الرفيعة، مثل قوله: «الراحمون يرحمهم الرحمن، فارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء».. ولا عجب فى ذلك، فالرحمة صفة أصيلة فيه وطبع فطره الله عليه، يقول تعالى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم» (التوبة: ١٢٨). ومن تعليماته أيضا، قوله: «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر»، دلالة على تعظيم قيمة العمل، حتى وإن كان صاحبه- وغيره من الناس- لن يجنوا ثمرته.. وفى الحض على إتمام العمل وإتقانه ليكون فى أروع وأفضل صورة، يقول (ص): «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتمه»، وفى رواية أن يتقنه.. وفى تأكيده على الالتزام بخلق الرفق فى كل شىء، يقول: «ما دخل الرفق فى شىء إلا زانه، وما دخل العنف فى شىء إلا شأنه»، ويقول أيضا: «إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف»، فأين من ذلك الذين يتخذون العنف منهجا وأسلوبا لتحقيق مآربهم؟! ومن وصاياه العليا كذلك، إقامة العدل بين الناس، لا فرق بين حاكم ومحكوم، أو بين غنى وفقير، فيقول (ص): «إنما أهلك الأمم من قبلكم، كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان ما أحوجنا إليه! ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا