الارشيف / أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

عملية اكتشاف مصر!

الخبر نشرته صحيفة «تايمز» البريطانية، فصار قصة عالمية؛ والحقيقة هى أن «المصرى اليوم» نشرته قبلها بأسبوعين، وقبل هذه وتلك فإن الخبر مذاع من دير سانت كاترين، والتى أزاحت الستار عن وثائق مكتوبة بلغات نادرة تم العثور عليها باستخدام تقنيات حديثة «تشير إلى عصر ذهبى جديد من الاكتشافات الطبية» التى يعود بعضها إلى نسخ قديمة من أبحاث للطبيب اليونانى أبوقراط. أصل القصة ليس هو الأمر المهم، وإنما محتوى القصة ذاتها وليس فيما جاءت به، وإنما فى صلة ذلك الذى جاء بقصص أخرى تتوارد علينا بتكراريات متسارعة تقريبا عن كل العصور التى مرت بها المحروسة، وفى كل مناطق مصر تقريبا التى مر بها زمن ذهبى من نوع أو آخر. النتيجة هى أن مصر هى مجمع حضارى مركب دلنا عليه من قبل الدكتور ميلاد حنا فيما رآه من طبقات الجيولوجيا الحضارية التى تراكمت فيها الواحدة فوق الأخرى. ولكن خبر دير سانت كاترين يأخذ بيدنا فى مسيرة أخرى غير تلك المتتابعة الواحدة فيها وراء الأخرى، أو المتراكمة التى تأتى الواحدة منها فوق الأخرى فى مسار زمنى هرمى، وإنما هى المسارات المختلفة والمتداخلة لفنون وثقافات ولغات الحضارات. فالمسألة لم تكن مجرد الحضارات الفرعونية، فالهيلينية، فالقبطية، فالعربية الإسلامية، فالعثمانية، وأخيرا الحديثة؛ وإنما هى تاريخ فنون مثل العمارة، وحرف مثل الطب، وعلوم وثقافات أقوام تفاعلت كلها على أرض مصر وتداخلت فى الذات المصرية بأشكال لا أظن أن لها مثيلا فى بلد آخر.

بالطبع، لا توجد هنا نية لاستعراض عظمة التاريخ المصرى، فهذه مهمة المؤرخين، كما أنه لا يوجد قصد لاستغلال ما نكتشفه سياحيا، أو حتى سياسيا لكى نعيد تركيب «شخصية مصر» فى نظر العالم، فهذه وتلك مكانها ومقامها فى وقت آخر. ما يهمنا هنا الحاضر والمستقبل، وكيف نعلم الأجيال الحالية والقادمة استحالة أن تكون مصر بلدا للبعد الواحد الذى يتجمد عند ثقافة بعينها، وأكثر من ذلك يغربلها ويفرزها ويستخلص منها نتيجة واحدة تصير هى التطرف الذى ينضح بالكراهية لكل ما هو «آخر». التطرف يغلق كل الأبواب وكل نوافذ الضوء اللهم إلا على نقطة واحدة وليس غيرها وبعدا واحدا ولا شيء بعده، هو حتى ليس مليئا بالثوابت كما هو حال كل الأفكار المحافظة، فما فيه إلا ثابت واحد كثيرا ما ينتهى إلى الولاء والطاعة لشخص واحد، فيصير الأمر فى النهاية فاشيا يدور ويلف حول الزعيم أو أمير المؤمنين، وحينما يكون تواضعا يقال المرشد العام للدولة أو للتنظيم.

ما نقوله هنا ليس اختراعا لم يتوصل إليه أحد من قبل، وفيه من الشيوع والذيوع الكثير، ومع ذلك فعندما تطرح القضايا، فإن الفكر والتفكير يتناقص ويتراجع، وبدلا من المركبات والمجمعات الحضارية والثقافية التى تزاحمت على أهل مصر تختفى لا يظهر منها إلا بعدٌ واحدٌ الذى لا يغفل فقط كل الحضارات والثقافات الأخرى، وإنما أيضا التنوعات والألوان والظلال التى تعايشت داخل الحضارة الواحدة حتى ولو كانت العربية الإسلامية أو الحديثة فى عمومها. المسألة الخطيرة هى أن المصريين لا يعرفون مصر كثيرا، ومن الثابت أن الأجانب هم الذين اكتشفوا آثارنا ومخطوطاتنا وأقاموا لنا المتاحف، ورسموا لنا الخرائط؛ وكان القنصل الفرنسى فى الإسكندرية هو الذى أشار على الوالى محمد على أن يصدر قانونا لحماية الآثار المصرية لكى تتوقف عمليات النهب والسرقة. بالطبع لم تتوقف هذه العمليات، وفى قلب أحداث ثورة يناير كان هناك من وجدها فرصة للغنى عن طريق سرقة وبيع الآثار التى بدت للسارقين وكأنها أشياء لا تخصنا ولها علاقة بعالم من «المساخيط» والعفاريت والجان.

وبصراحة فإن «الوطنية» المصرية لن تكتمل أبعادها بحيث تكون حارسة على الضمير المصرى ما لم تجر عملية الاكتشاف الكبرى لتاريخ مصر وأرضها وربوعها، مائها وصحاريها، أوديتها وباديتها، فوق سطح التربة وتحتها.

فى وقت من الأوقات كانت «الوطنية» تعنى التخلص من الأجنبى واحتلاله؛ وفى أوقات أخرى صارت نوعا من الانتماء إلى الحضارة العربية، وفى أوقات ثالثة كان فيها نوع من الاستنهاض لمقاومة أنواع مختلفة من الضغوط والعوز والانسحاق. كل ذلك مشروع ومفهوم على ضوء الظروف التى أتت بها؛ ولكن المعرفة بالوطن ربما سوف تكون الأكثر استدامة وتأثيرا، بل إنها سوف تخلق التوجهات نحو البناء الأعظم لمصر. ولذلك فإن كل الوسائل الخاصة بالتنشئة السياسية والاجتماعية من تعليم وثقافة وإعلام ورسائل سياسية، عليها أن تغترف من المعرفة بهذا الوطن الذى تشكّل من مجمع للحضارات.

فى مرة سابقة تحدثنا عن «القاهرة» وحدها باعتبارها «مجمعا للعواصم»، وطالبنا بأن يدرس طلبة العاصمة عاصمتهم ليس فقط من الكتب، وأدوات الفنون المختلفة، وإنما بالرؤية والمعايشة المستمرة للأهرامات وشارع المعز والقاهرة الخديوية، ومجمعات المعابد والكنائس والجوامع والجامعات. الآن فإن الدعوة تشمل مصر كلها، قديمها وجديدها، ونيلها وبحرها، فمع التاريخ والجغرافيا وفنون التطور البشرى بكل أنواعها، سوف تولد بالضرورة أحلام وأفكار ومشروعات حول الكيفية التى تتولد بها الثروات المختلفة. فالوطن ليس فقط أرضا وماء، وإنما هو فى الأول والآخر فكرة يجد فيها المرء ما لا يجده فى بلدان أخرى، كمصدر للحلم والثراء وتحقيق الذات والاندماج مع جماعة من البشر يسعد بينهم أكثر من الدنيا كلها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان عملية اكتشاف مصر! ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا