مدينة الألعاب.. قصة قصيرة بقلم لنا عبد الرحمن

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

راقبت لاعبة السيرك وهى تحاول أن تتوازن على الحبل الذي تسير عليه، تماهت مع ميلها للتوازن، وحرصها على عدم السقوط، تتحرك اللاعبة بخفة وحذر، تضع قدمها الصغيرة التي تنتعل فيها حذاء مطاطيا على الحبل المتدلى بين طرفين. ثمة أسد رابض على الأرض، يفتح فمه، ربما يكون جاهزا لالتهام الفتاة، يسوطه مدربه بقوة تحزنها. تراقب الجميع حولها، الأطفال يدركون أنها لعبة، والكبار يستمتعون بالمشاهدة، لا توجد أي ملامح اضطراب على وجه أحد سواها.

تنظر إلى أعلى، إلى الخيمة المخروطية، تتأكد أن كل ما يحصل يجرى في مدينة الألعاب، وأن هذا كله مجرد عرض ليس إلا، عرض سينتهى بعد قليل.. تعود عيناها لمتابعة حركة الفتاة التي صارت معلقة في وسط الحبل، فوق رأس الأسد تماما. تندفع من فمها شهقة تدفع ابنها ليقول لها: ماما، أنت خائفة؟ لقد شاهدت هذا العرض قبل الآن في رحلة المدرسة، لا تخافى، لن يحدث شىء. تجنبت مرارا الدخول المدينة الألعاب، إنها مكان مفزع بالنسبة إليها، كل ما فيه يدفع للدوار، لأن الأشياء تكون في موضعها المناسب تماما، وفى العالم الخارجى الأشياء لا تكون على هذا الحال، العالم في الخارج مضطرب، ومدينة الألعاب تخلق اضطرابها الخاص الذي تراه منظما مقارنة مع اضطراب العالم، وهى لم تعد قادرة على احتمال هذا النظام والخروج من اضطرابها إلى نظام لا تعرفه. «فى مدينة الألعاب يقوم على لعبة متقنة ليس إلا. وهى لم تعرف متعة الاستمتاع باللعب. تذكر وهى طفلة، حين أنكر سنها الأمامى بعد ارتطام السيارة التي تقودها في لعبة السيارات بسيارة أخرى. نزفت الكثير من الدم، ولم تعد قادرة على الاستمتاع باللعب أبدا. عبرت الفتاة الحبل الرفيع، ونزلت منه بخفة، طوت جذعها لتحى الجمهور، ثم رفعت ساقيها في الهواء، لتتسلق حبلا يتدلى من الأعلى. لم تكن قادرة على مواصلة المشهد أكثر، كانت الفتاة تؤدى كل الحركات التي لم تستطع هي يوما القيام بها. تسمع صوتا في عقلها يقول: إنها لاعبة سيرك، لاعبة تعرف كيف تمشى على الحبال الرفيعة. فتسمع صوتا آخر يرد: «لا يهم، لا يهم، لكنها قادرة على القفز، على التسلق، ومراوغة الأسد والفرار منه دون أن يلتهمها». يتجادل صوتان في داخلها، تحس أنها على وشك الصراخ، وهى تتخيل أنها لو كانت مكان اللاعبة، سيلتهمها الأسد لا محالة. تترك ابنها في داخل الخيمة المخروطية، تخبره أنها ستنتظره في الخارج. يهز الولد رأسه وهو يتابع حركات المهرج الذي يدهن أنفه بالأحمر، ويضع على رأسه قبعة الساحر، قبعة سوداء من قماش الساتان، لا تتناسب مع وجهه المدهون بأصباغ كثيرة، يبدو أن تلك القبعة استعارها في اللحظات الأخيرة من رفيقه الساحر لأنه فقد قبعته الحمراء. أليست الأشياء مرتبة في مدينة الألعاب؟ كيف يفقد المهرج قبعته إذن؟ كيف يستعير قبعة الساحر الأنيقة التي يستخدمها لإخفاء الأرنب؟ في الخارج، أشعلت سيجارة، لم تكن تدخن في المعتاد، إلا حين تحس باضطراب كثيف. كانت على وشك الدخول في حالة من الإغماء، تقاومها بالتفرج حولها، تأمل عوالم المدينة الصغيرة، التي تتوزع إلى غرف بلاستيكية، وخيم، وتنطوى على حيلها وحكاياتها وخفاياها. ستظل جالسة هنا، ريثما ينتهى ابنها من متابعة العرض، لن تبرح مكانها أبدا، خشية دخولها في دوار جديد. على يمينها شاهدت أشكالا مرعبة الأشباح مرسومة على قماش سميك، وستارة سوداء طولية خلف الرسومات الشبحية، وفوق الستارة عبارة «مدينة الأشباح» وبجانب العبارة رسم العلامة القرصان عظمتين متقاطعتين. على يسارها كانت مجموعة من الأرجوحات التي تعلو وتهبط في حركة مستمرة. قررت ألا تنظر إلى أي الاتجاهين، لكن رغما عنها كانت الاتجاهات تتدافع أمامها وتتقاطع عند نقطة واحدة. عند بوابة إحدى الخيم ارتفع صوت دوى نار، أو انفجار مفرقعة ارتفعت في الهواء، وانتشرت معها رائحة البارود، الناس حول الخيمة يصفقون كما لو أنهم في كرنفال.

قررت السير للأمام، بحثا عن مقعد آخر ليس ببعيد، كى لا تشم رائحة البارود، ولا ترى مدخل مدينة الأشباح أو الأرجوحة التي تسبب لها دوارا. سارت عدة خطوات بحثا عن مقعد، كان رجلا خمسينيا أسمر يرتدى بنطلون جينز أسود ومعطفا رماديا، يقعد على طرف مقعد مجاور لخيمة السيرك من الجانب الخلفى، لم تستأذنه لتقعد على طرف المقعد. التفت نحوها، ثم أبعد وجهه بسرعة، تلك الالتفاتة كانت كافية لتتذكره على الفور. لم يتذكرها الرجل أبدا، لكنها هتفت به ألا تذكرنى. ابتسم الرجل وهو يهز رأسه باستفهام. حاولت أن تذكره بنفسها، بأنها ابنة فلان صديقه، قالت له إنها تذكره من أيام الطفولة، حين كان يأتى إلى بيتهم، وكانت تجلس أحيانا على ركبته، وكان يحضر لها شوكولا مارس، أخبرته أن أباها اختفى بعد نهاية الحرب، في ظروف غامضة، ولم يعرف عنه شيئا، كانت تتحدث وتتحدث، عن تفاصيل مضت من أيام الطفولة. لكن الرجل استمع باهتمام من دون أن يقول عبارة تفيد بأنه تذكر شيئا. عادت لتقول له مؤكدة: أنت تمثل لى شيئا مهما، ظل أبى بعد سفرك إلى لندن يحكى لنا عنك، عن حنينك لوطنك، عن القصائد التي تكتبها، كان يقرأ لنا أبياتا من قصائدك. وكأنما لمعت في عينى الرجل ذكرى شحيحة، أضاءت وجهه. في تلك اللحظة، خرج ابنها من خيمة السيرك، اندفع نحوها ويبدو عليه بعض الغضب: «ماما أين أنت» بحثت عنك، نظر إلى الرجل الذي يقعد على طرف المقعد الآخر، لم يعره اهتماما، شدها من يدها وهو يقف بجوارها قائلا: ماما، تعالى، أريد أن أدخل إلى مدينة الأشباح. ظل الرجل صامتا، لم يقل أي كلمة. ربما تابع خطواتها وهى تمضى مبتعدة. كانت تفكر، ماذا يفعل هذا الشاعر في مدينة الألعاب، هل كان ينتظر أحدا ما؟ لم يقعد هنا، لم لم يتكلم أبدا، لم لم يتذكرها، لم يتذكر صداقته لأبيها، وأيامهما التي مضت بين حرب وحرب؟ سار الولد خطوتين، وهى خلفه، يشدها من يدها وهى تسير ببطء. التفتت إلى الوراء، كان المقعد شاغرا، والرجل الخمسينى ذو المعطف الرمادى يمضى في اتجاه آخر، ربما نحو خيمة السيرك. في مدينة الألعاب، تعود الأشياء إلى أماكنها المناسبة، ويبدو الأشخاص على حقيقتهم أكثر مما هم في الحياة.

انت الان تتصفح خبر بعنوان مدينة الألعاب.. قصة قصيرة بقلم لنا عبد الرحمن ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق