د. خالد عزب يكتب: الاقتصاد الدائرى.. هل يغير اقتصاد العالم؟

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في مصر المخلفات تُصنع منها أشياء كثيرة، فنحن عندما كنا أطفالًا كنا نستخدم القطع المعدنية التي تغلق زجاجات المياه الغازية في صنع إطارات معدنية (عجل) للعب بها، والجوارب القطنية لصنع كرة نلعب بها، ومن مخلفات العبوات المعدنية كان يُصنع فانوس رمضان ومازال، بل إن ربات البيوت إلى الآن يستخدمن العبوات البلاستيكية والزجاجية الباقية لديهن مرات عديدة، فسُمى هذا اقتصاداً دائرياً، وقد خصصت له مجلة «نيتشر» أحد أعدادها، هذا الاقتصاد متجذر في مصر، فسيارات قديمة تحدّثها ورش منطقة السبتية أو مدينة ميت غمر، بل إن «والترستاهل» رأيناه في شرح له في «نيتشر» يذكر أن الدورات التي تزخر بها الطبيعة، مثل دورة الماء، والعناصر الغذائية، تتحول المخلفات عبر هذه الدورات لمصادر للآخرين، بينما لايزال الإنسان يتعامل وفق منهج «صَنّع، استهلك، تخلص».

«والترستاهل» هو عالم سويسرى الجنسية يرى أن الاقتصاد الدائرى يحول السلع التي وصلت إلى نهاية عمرها الخدمى إلى موارد لسلع أخرى، ما يؤدى إلى إتمام حلقات النظم البيئية الصناعية، والتقليل من النفايات، هذا النهج سيقلل من آليات الاقتصاد، لأنه يستبدل الإنتاج بالاكتفاء عن طريق إعادة استخدام ما يمكن استخدامه، وإعادة تدوير ما لا يمكن استخدامه مجدداً، وإصلاح المكسور، وإعادة تصنيع ما لا يمكن إصلاحه.. كانت إحدى الدراسات قد خلصت إلى أن الاقتصاد الدائرى من شأنه أن يقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى في كل دولة بنسبة تصل إلى 70%، كما أنه يسهم في زيادة قوة العمل لديها بنحو 4%، يرى «والترستاهل» أن نماذج الاقتصاد الدائرى تقع ضمن مجموعتين: تلك التي تدعم إعادة استخدام وإطالة العمر الخدمى من خلال عمليات الإصلاح وإعادة التصنيع والتحديثات والتعديلات الإصلاحية، وتلك التي تحول البضائع القديمة إلى موارد أشبه ما تكون بالجديدة عن طريق إعادة تدوير الموارد، ويعتبر الجمهور من كل الأعمار والمهارات هو المحور الرئيسى في هذا النموذج، حيث تفتح الملكية الطريق للإدارة، ويصبح المستهلكون مستخدمين ومبدعين، كما تخلق إعادة التصنيع وإصلاح البضائع القديمة والمبانى والبنى التحتية وظائف تتطلب وجود مهارات في ورشات العمل المحلية.. هذا يعنى تخفيف ضغط الاستيراد على الميزان التجارى للدول والحد من النزعات الاستهلاكية المتصاعدة على الصعيد الدولى، بل حتى في مصر كنا نرى مهارات متعددة في هذا النمط الاقتصادى، كقيام البعض بتحديث سيارته بدلا من شراء سيارة جديدة.

هذا الطرح من «والترستاهل»- وهو مؤسس ومدير معهد العمر الخدمى للمنتج في جنيف وأستاذ في كلية الهندسة والعلوم الفيزيائية في جامعة سرى في المملكة المتحدة- يمثل اتجاهاً نتج عن مقاومة النزعة الاستهلاكية والمادية التي استشرت في الغرب وانتقلت منه إلى بلدان العالم الثالث، وسادت في منطقة الخليج مع الوفرة النفطية، لكن هذه النزعة الاستهلاكية ظهرت تيارات فكرية مضادة لها حتى صارت مقاومتها جزءاً من دراسات علم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا، ولكن في مصر هذه النزعة الاستهلاكية بدأت تستشرى منذ سبعينيات القرن العشرين مع سياسات الانفتاح الاقتصادى في عهد الرئيس أنور السادات، وساهمت مسلسلات التلفاز في ترسيخ هذه النزعة، لكن ظلت الطبقات الفقيرة والمتوطنة في مصر تقاوم.. هذه المقاومة جعلت المرأة المصرية في الريف تطعم طيورها ودجاجها من مخلفات طعام الأسرة، وتصنع من الفاكهة المربى، وتصنع الجبن وتخبز الخبز في المنزل، لكن تصويرها على أنها غير عاملة أضر بهذه المرأة التي لم تشملها نظم الرعاية الاجتماعية والاقتصادية، كما أن المصريين يتمسكون بإصلاح الأجهزة الكهربائية وتحديثها حتى لو تقادم الزمن عليها، هذه النزعة في مصر نحو الاقتصاد الدائرى، وهى نزعة فطرية، لم تجر دراستها وبالتالى ترسيخها إلى الآن، وهى سر صمود مصر اقتصادياً، بل إن من يقيّمون هذا الاقتصاد لا يأخذون في الحسبان هذه القدرة الخفية في الاقتصاد المصرى، خذ على سبيل المثال حين يكون هناك مولود في أسرة فإنه يحصل على جانب من ملابسه من طفل آخر سبقه بعام أو عامين، أو أن تقدم عروس فستان زفافها لتلبسه أخرى عند زفافها، هنا نستحضر شبكات التضامن الاجتماعى، سواء على مستوى الأسر أو القرى أو العمل أو الأصدقاء.

هذا ما يقتضى عربياً إعادة بناء أنماط التفكير الاقتصادى من الاعتماد على الاستهلاك والاستيراد، إلى بناء قدرات الاستغلال الأمثل، فبدلاً من هدم بناية لابد من تحديثها واعتبارها ثروة عقارية... إلخ.

انت الان تتصفح خبر بعنوان د. خالد عزب يكتب: الاقتصاد الدائرى.. هل يغير اقتصاد العالم؟ ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق