قناة السويس: عودة الحق

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

انتهت قصة الخديو إسماعيل نهاية درامية بالعزل والنفى، فبعد الزهو والإنجاز سقطت أحلامه وتبدد كبرياؤه تحت وطأة الديون الطاحنة التي أرغمته على بيع حصته (44%) في شركة قناة السويس في عام 1875م للحكومة البريطانية التي ناورت وتحايلت بمساعدة مصارفها لكسب هذه الصفقة ومنعها عن غريمتها فرنسا ليكون لها موطئ قدم للتدخل المباشر في شؤون مصر وقناتها التي غدت ضرورة استراتيجية لحماية إمبراطوريتها المترامية.

وقد اضطر إسماعيل باشا لدعوة بعثة بريطانية لفحص ماليته بعد تدهور أحواله الاقتصادية وإلى قبول توصياتها بإنشاء هيئة لرقابة أمور مصر المالية والتزاماتها الخارجية تحت إدارة أجنبية في انتقاص صريح للسيادة الوطنية، ورغم ذلك دفع استمرار تأزم الأمور إلى إعلان مصر التوقف عن سداد ديونها في عام 1876م ما أثار موجة عارمة من السخط والذعر في الأسواق المالية الأوروبية، وأدى إلى انقلاب الحكومات والمصارف الغربية على حاكمها بالتهديد والوعيد بعزله حمايةً لمصالحها بعد أن كان خديو مصر لسنوات طويلة الصديق المقرب والعميل المدلل لها حتى استجاب السلطان العثمانى لمطالبها وأطاح بإسماعيل باشا في عام 1879م لصالح ابنه محمد توفيق باشا الذي استنجد ببريطانيا في عام 1882م لضرب الثورة العرابية متنازلاً عما تبقى له من سلطة وسيادة مقابل الإبقاء على كرسيه.

ودخلت مصر مرحلة الاحتلال البريطانى التي استمرت عمليًا حتى عام 1956م رغم استقلالها الشكلى بمقتضى تصريح 28 فبراير 1922م الذي حافظ لبريطانيا على حقوق الدفاع عن مصر وقناتها، واستمرت الدولة في سداد ديون الخديو إسماعيل الخاصة بقناة السويس وبغيرها من مشاريعه حتى عام 1941م في عهد حفيده الملك فاروق.

ولم تكن نهاية فرديناند دى ليسبس أسعد حالاً عن إسماعيل باشا، فبعدما حقق الثراء الواسع والتقدير الأوروبى الكبير له ولإنجازه الضخم في شق قناة السويس، غامر بقدرته على تكرار تجربتها في حفر قناة بنما لربط المحيطين الأطلسى والهادئ ولكنه واجه المشاكل الهندسية والمالية والعمالية الجمة كما حدث في مصر، ولم يجد الحاكم الساذج لنجدته ففشل مشروعه وأضاع سمعته ومات فقيرا مكسورا.

ويبقى السؤال الرئيسى: هل كان الخديو إسماعيل سفيها مغرورا أضاع بلاده وكبلها بالديون التي سلبتها حريتها واستقلالها كما صورته أقلام الناصرية، أم كان مصلحا حالما ذا رؤية فاقت إمكانياته وقدراته ولكنها بنت أركان نهضة مصر الاقتصادية والثقافية العظيمة قبل ثورة 1952م كما ترى الليبرالية المصرية؟

إن الإجابة الموضوعية ترتبط بالإنجاز المادى لا بالهوى السياسى، فيكفى الخديو إسماعيل إرثاً وإنجازاً إتمامه مشروع قناة السويس حتى دون النظر إلى إسهاماته الكثيرة الأخرى في الرى والزراعة والتعليم والمعمار والنقل وتطوير الحياة السياسية، لأنه ببساطة منح مصر أهم أصولها الاقتصادية بعد شعبها ونيلها، وترجم عبقرية موقعها الوسطى بين القارات إلى أهم ممر ملاحى دولى في العالم إلى الآن، وخلق لها خط الدفاع الثانى والأقوى بعد ممرات سيناء الثلاثة أمام أي عدوان عسكرى يأتيها عبر بوابتها الشرقية كما تشهد حروبنا اللاحقة، إلا أن هذه الإنجازات لم تأتِ دون كلفة عالية من الكرامة والموارد المصرية التي استرجعها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بقراره التاريخى تأميم «الشركة العالمية لقناة السويس البحرية» في عام 1956م لتسترد مصر حقوقها المسلوبة منذ حوالى قرن بعد أن كسرت شوكة العدوان الثلاثى عليها في نفس العام.

وقد استمرت الدولة المصرية في التعامل مع قناة السويس منذ منح امتياز حفرها بشكل ريعى باعتبارها معبرا مائيا سياديا يختصر مسار التجارة الدولية بين الشرق والغرب بحوالى ثلث المسافة في المتوسط عن الطرق البديلة مما يجعل السفن العابرة على استعداد لدفع رسوم مرور للاستفادة من هذه الميزة الكبيرة في الوقت والكلفة، لذلك تركزت جهود مصر على مدى العقود في تطويرها على الجانب الهندسى البحت بغرض المحافظة على الميزة الملاحية التنافسية للقناة بزيادة تفريعاتها لخفض مدة عبور القوافل البحرية في الاتجاهين وبتوسعتها وتعميقها لتواكب التطور المستمر في حجم السفن التجارية والحربية ومستوى غاطسها.

وكان الهدف الرئيسى للدولة دائما من ذلك هو حماية إيراداتها الريعية السنوية من رسوم العبور التي بلغت 5.3 مليار دولار أمريكى في المتوسط في السنوات الخمس المالية الأخيرة حتى 30 يونيو 2018م، والتى تتميز بثباتها النسبى عكس مصادر الإيرادات السيادية الأخرى نظراً للأهمية الاستراتيجية للقناة في الملاحة الدولية وبتحصيلها بالعملة الصعبة المطلوبة لسد العجز التجارى المصرى المزمن.

وكان لهذه النظرة الاقتصادية الضيقة في استغلال طاقات وإمكانيات قناة السويس الكامنة، بالإضافة إلى سيطرة الهاجس الأمنى المستمر على ملفها أسوأ الأثر في تحجيم قدرتها على تعظيم عوائدها من الخدمات المرتبطة بنشاطها الملاحى الأساسى، ومن جذب الاستثمارات اللوجيستية والصناعية والخدمية المكملة لها حتى صارت إيراداتها تمثل حوالى عُشْر إيرادات شركة أمريكية واحدة هي «والت ديزنى»، حسب إصدار خدمة «بصيرة» المعلوماتية بدلاً من أن تكون أضعافاً مضاعفة.

وللحديث بقية..

انت الان تتصفح خبر بعنوان قناة السويس: عودة الحق ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق