مائة عام على تأكيد النسبية

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في 29 مايو 1919 كان هناك كسوف كامل للشمس بجزيرة برنسيب بالمحيط الأطلنطى، وذهب العالم العظيم آرثر أدينجتون لرصد ظاهره انحناء الضوء تحت تأثير جاذبية الشمس.. أكتب هذا المقال من باريس، حيث أحضر مؤتمرا أقيم بمناسبة مرور مائة عام على الرحلة التي كان هدفها اختبار نظرية النسبية العامة، وتكهنات أينشتاين بصدد انحناء الفضاء والزمن.

الفكرة الأساسية بسيطة: إذا كان الضوء له سرعة ليست ما لا نهاية، فيمكن توقع أنه ينحرف تحت تأثير الجاذبية.. والضوء الآتى إلينا من النجوم التي تقع بجانب الشمس في السماء يمر قريبا منها في طريقه إلينا ومن ثم يتأثر بجاذبيتها. ولأن نظرية أينشتاين تقر بأن قوة الجاذبية يمكن وصفها على أنها انحناء في الفضاء والزمن معا فانحناء الضوء في سياقها ضعف ما تتنبأ به نظرية نيوتن. ذلك إذا اعتبرنا الضوء مكونا من جسيمات، أما إذا اعتبرناه مجرد موجات فلا ينحنى إطلاقا.. يمكن إذن من خلال قياس انحناء الضوء الفصل بين الطروحات الثلاثة.

المشكلة أننا إذا أردنا قياس هذا الانحناء يجب أولا رصد النجوم وهى واقعة بجانب الشمس في السماء. وهذا مستحيل خلال ظروف النهار العادية، لأن النجوم خافتة جدا وضوء الشمس ساطع. لكن خلال الكسوف الكلى يقع القمر في طريق ضوء الشمس فيحجبه، وبالتالى يمكن روية النجوم والتقاط صورا لها.. ولأن الأرض تدور حول الشمس (دورة كاملة كل عام)، نفس هذه النجوم مرصودة أيضا في أوقات مختلفة من السنة، حيث لا تقع خلف الشمس إنما في الجانب الآخر من مجال الرؤية، أي أنه يتم رصدها خلال الليل.

والفرق بين مكان تلك النجوم في السماء في الحالتين يمكن اعتباره نتيجة انحناء الضوء! لكن ربما يعترض القارئ أن الموضوع ربما ليس بهذه البساطة، نظرا لأن سرعة الضوء رهيبة وانحرافه بالتالى ضعيف، وأن القياس يتم بأجهزة مختلفة وفى أماكن وأوقات مختلفة. ودار بالفعل جدل كبير في المجتمع العلمى حول هذه المسائل وغيرها.

بدأ الجدل على الفور بعد الإعلان عن نتيجة الامتحان في اجتماع استثنائى للجمعية الفلكية الملكية، وجاءت النتيجة لصالح أينشتاين. هكذا انشد العالم لتداعيات نظريته الغريبة، مثل انحناء وتمدد الزمن والفضاء، وصار أينشتاين ظاهرة عالمية واسما يعرفه الجميع.

ولم يقتصر الجدل على النواحى العلمية والتفاصيل التقنية لنتائج الرحلة. لذلك ضم المؤتمر المذكور- بالإضافة لعلماء الفيزياء الفلكية والكونيات وفلسفة العلم، وكلها مواضيع كان لـ«إدينجتون» إسهامات مهمة وأفكار مثيرة فيها- عددًا من المؤرخين الذين تحدثوا عن الإطار الاجتماعى والسياسى العام الذي تبلورت خلاله تداعيات نتائج رحلة «إدينجتون».

تحدثوا مثلا عن الظروف المشحونة التي تلت الحرب العالمية الأولى، حيث زعق مانشيت جريدة التايمز اللندنية هاتفا بأن «الألمانى أينشتاين» قد هزم البريطانى نيوتن.. وتم تكريم أينشتاين على هذا الأساس في ألمانيا، لكن مثلما في حالة اليهود الألمان الذين حاربوا في الحرب العالمية الأولى تحول التكريم إلى إهانة (وأحيانا إبادة) مع صعود العنصرية الشعبوية والنازية. في حالة أينشتاين بدأت بوادر الهجمة بعد الإعلان عن نتيجة رحلة «إدينجتون» عام 1919.

وكانت هناك دوافع إنسانية دفينة أخرى لتشكك بعض العلماء في دقة نتائج إدينجتون ومهاجمة أينشتاين، فبعضهم قد كون سمعته وكيانه وهيبته في عالم نيوتن ونظرته للكون التي هددها هؤلاء. لكن التجربة أثبتت، مرة تلو الأخرى، صلابة تنبؤات النسبية، وكان آخرها رصد انحناء الضوء حول الثقوب السوداء لاحقا.. مع ذلك، يبدو الآن أن معظم مكونات الكون مفقودة، ويرى بعض العلماء (حتى لو كانوا أقلية) أن ذلك يمكن أن يتطلب تغيير نظريات أينشتاين (وربما نيوتن أيضا!) التي يتم من خلالها حساب كم المادة والطاقة في الكون.. وإذا صح ذلك فإننا على عتبة انقلاب علمى لا يقل ثورية عن الذي أحدثه أينشتاين منذ قرن.

أما في المجال السياسى فيبدو أن لا شىء يتغير جذريا، فبعد أهوال الحرب العالمية الثانية توقع الكثيرون أن الحركات الشعوبية العنصرية، والتى عانى من عنف فكرها أينشتاين نفسه، قد انكسر تأثيرها بشكل شبه كلى في الغرب.. لكنها للأسف تبدو عائدة.

انت الان تتصفح خبر بعنوان مائة عام على تأكيد النسبية ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق