التغيير الديمغرافي في سوريا.. بين كرسي العرش وتغيير الشعب

مصر العربية 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

"في الدول الطبيعية عندما يثور الشعب ضد حاكمه، يضطر جبرًا لا اختيارًا إلى التنحي عن السلطة والاختفاء عن الساحة، وإن وجد في الهروب مخرجًا آمنًا يحفظه فيما تبقى من سنوات عمره".

 

لكن في سوريا، حدث العكس، إذ لم يكتفِ نظام بشار الأسد بالحسم العسكري على أنقاض وجثث الملايين من مواطنيه بحسب ما وثّقت الشهادات والتقارير، لكنّه مارس رفقة حلفائه الغربيين والإقليميين - كما يتهمه معارضوه - جريمة أخرى في حق الشعب، وهي التغيير الديمغرافي، رافعًا ضد الشعب شعار "ارحل".

 

أحدث التحذيرات التي صدرت بشأن جريمة سوريا" target="_blank">التغيير الديمغرافي في سوريا صدرت عن المملكة العربية السعودية قبل أيام، حيث طالبت المجتمع الدولي بالتدخل لوقف سياسة التهجير القسري للسكان التي ينتجها النظام السوري بهدف تغيير التركيبة الديمغرافية في البلاد.

 

المملكة على لسان مندوبها في الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل، قالت إنّ تقرير لجنة الحتقيق الدولية المعنية بشأن سوريا كشف عن أكبر كارثة إنسانية في التاريخ المعاصر، مشدّدةً على التمسك بالحل السياسي للأزمة.

 

وصرح المسوؤل السعودي بأنّ "المملكة تجدّد موقفها الثابت بحل الأزمة السورية سياسيًّا"، وقال إنّ "تشريد أكثر من مليون مواطن سوري في الفترة الماضية دليل على استمرار النظام في التهجير القسري المقصود، الذي يُراد به تغيير التركيبة الديمغرافية للسكان".

 

وشدّد على "ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي للتدابير اللازمة كافةً لإيقاف مثل هذه الإجراءات التعسفية والانتهاكات المستمرة".

 

تحذيرات السعودية صدرت بعد أيام قليلة من تقرير أممي كشف أنّ أكثر من مليون شخص، بينهم اطفال، هُجّروا بسبب الهجمات التي شنّها نظام بشار الأسد على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة والمنظمات الإرهابية خلال الأشهر الستة من الأولى من العام الجاري".

 

واستنادًا إلى أهمية هذا الملف، فقد خصّصت الكثير من المراكز والمعاهد البحثية جهدًا كبيرًا من أجل توضيح أبعاد تلك الجريمة الكبيرة، ومخاطرها على مستقبل سوريا، دولةً وشعبًا.

 

معهد "نصح" للأبحاث السوري أصدر دراسةً فنّد فيها جرائم نظام الأسد المدعوم من روسيا وإيران وميليشيات غربية متطرفة، ضد الشعب السوري، قادت إلى تهجير الملايين من مناطقهم، ضمن محاولات النظام لإجهاض الثورة.

 

تذكر الدراسة أنّ النظام السوري والقوات الموالية له استخدم في عملية التهجير القسري أدوات سياسية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية وإدارية، من أهمها "المجازر" التي اُرتكبت على أساس طائفي بهدف ترهيب السكان ودفعهم لترك مناطقهم.

 

ومن أمثلة تلك المجازر مجزرة الحولة في 25 مايو 2012، ومجزرة القبير في 6 مايو 2012، ومجزرة البيضا ورأس النبع في 2 مايو 2013، ومجزرة التريسمة في 12 يوليو 2012، ومجزرة الزارة في 6 مارس 2014.

 

كما استخدم النظام "القصف الجوي" بشكل مكثف على المناطق المشمولة بمخطط التغيير الديمغرافي بهدف تدمير مقومات الحياة مما يدفع السكان للنزوح القسري عنها بحثًا عن الأمن والخدمات.

 

وفي دراسة صادرة عن المجلس المحلي لمحافظة حمص-مكتب التوثيق بعنوان "مؤشر التهجير في حي الوعر-حمص" تبين وجود علاقة ارتباط طردي قوية بين القصف الجوي وتهجير السكان من الحي.

 

"التضييق الاستخباراتي" هو أحد الأسلحة التي لجأ إليها النظام عبر قواته الأمنية وكذلك الميليشيات الشيعية من خلال التضييق الأمني على سكان المناطق المستهدفة بالتهجير القسري، وذلك إما بالتضييق على حركة تنقلهم من وإلى داخل هذه المناطق، أو عبر اعتقال الشباب بذرائع أمنية أو بحجة السوق للخدمة الإلزامية الأمر الذي يدفع السكان لترك هذه المناطق.

 

كما إتبع النظام ومليشياته سلاح "الحصار" كسياسة للتضييق على سكان المناطق المشمولة بعملية التهجير، ويُظهر تحليل المناطق التي تعرضت للتهجير أنها تعرضت لفترات حصار طويلة كما حصل في داريا والمعضمية وأحياء حمص القديمة والزبداني ومضايا وغيرها من المناطق المهجرة.

 

وتكشف دراسة "مؤشر التهجير في حي الوعر - حمص" تأثر عدد السكان بهذا المتغير بشكل طردي، بمعنى أنّ كل حالة حصار لحي الوعر تبعها انخفاض في عدد السكان في وقت الانفراج، أي لم يخرج السكان بشكل مباشر في وقت الحصار بل في الأوقات التي تلت حالة الحصار.

 

"تغيير الملكية وإعادة الإعمار" سلاحٌ آخر للنظام الذي استغل الحراك الثوري ليدفع باتجاه تسريع عملية التهجير القسري من خلال طرح مخططات تنظيم عمراني جديدة تهدف إلى طرد السكان الأصليين من مناطقهم ونقل ملكية هذه المناطق إلى وافدين جدد.

 

ومن أشهر المناطق التي شملها النظام بعملية إعادة التخطيط العمراني منطقة المزة بساتين الرازي (المرسوم التشريعي رقم /66/ تاريخ 18/ 9 / 2012) ومنطقة باب عمرو والسلطانية وجوبر بحمص (المرسوم رقم 5 لعام 1982 وتعديلاته) فيما يعرف باسم مشروع حلم حمص.

 

وضمن أسلحته أيضًا، استخدم النظام "اتفاقيات الإخلاء" التي يمكن تعريفها بأنّها عملية تفاوضية ذات بعد ديمغرافي تجري بين ممثلي النظام والمقاومة المحلية بوساطة أممية، يتمخض عنها استعادة النظام المناطق التي تسيطر عليها فصائل المقاومة علاوة على تهجير من فيها من مدنيين ومقاتلين.

 

بدأت أولى اتفاقيات الإخلاء في عام 2012، ليشهد عاما 2015-2016 العدد الأكبر من اتفاقيات الإخلاء التي تم التوصل إليها والتي يقدر عددها بين (يونيو 2012 وأغسطس2016) بـ7 اتفاقيات، 4 منها تمت في حين ما تزال 3 معلقة بانتظار التنفيذ.

 

وزمنيًّا، جرت اتفاقيات الإخلاء في تلكلخ (يونيو 2012)، وحمص القديمة (مايو 2014)، والحجر الأسود (يوليو 2015)، والزبداني (سبتمبر 2015)، وحي القدم (ديسمبر2015)، وقريتي قزحل وأم القصب (يوليو 2016)، وداريا (أغسطس 2016).

 

ومما يلحظ أنّ محافظتي حمص وريف دمشق كانتا الأكثر استهدافًا باتفاقيات الإخلاء بــ6 من أصل 7، وهو ما يعتبر مؤشرًا على توجه مقصود من قبل النظام وحلفائه وبخاصةً إيران لتعزيز سيطرتهم على العقد الاستراتيجية فيما يعرف بـ"سوريا المفيدة" من خلال تصفية مناطق سيطرة المقاومة، وإجراء تغيير ديمغرافي يعزز من أمن النظام وتموضع حلفائه في أي ترتيبات مستقبلية لسورية.

 

وبالنظر إلى السياق الزمني الذي عقدت فيه اتفاقيات الإخلاء، يلاحظ أنها جرت بالتزامن مع اتفاقيات المصالحات حينما كان للنظام اليد الطولى سياسيًّا وعسكريًّا على حساب المقاومة الوطنية.

 

كما تزامنت عملية التهجير القسري مع حدوث حالات إحلال سكاني جزئي في عدد من المناطق التي شملها التهجير، ومن أبرزها القصير وبابا عمرو والدريب والسباع والحميدية في حمص، أحياء العمارة والأمين والجورة والشاغور في دمشق، منطقة جنوب دمشق كالسيدة زينب وحجيرة والحسينية وسبينة والذيابية ويبرود وعقربا في ريف دمشق، قبر فضة والرملة في حماة.

 

أمّا الأدوات المستخدمة في الإحلال السكاني، فمن أبرزها نقل الملكية للوافدين الجدد إمّا من خلال التنظيم العمراني أو شغل منازل المهجرين بالقوة، أو من خلال شراء العقارات السكنية والأراضي الزراعية إضافة إلى توفير الخدمات وإعادة إعمار المناطق المهجرة، أمّا الوافدين الجدد فيتوزعون بين فئات "علويون، ميليشيات شيعية، شيعة سوريون ومتشيعون جدد".

 

تكشف كل هذه المعلومات مدى التوحش الذي مارسه نظام الأسد وحلفاؤه في ملف التهجير القسري، والذي قضى من خلاله - ضمن أسلحة أخرى عديدة - على ثورة الشعب.

 

في قرائته لهذا الملف، يقول السياسي السوري بشير علاو إنّ التغيير الديموغرافي أخطر ما يواجه سوريا في الفترة الراهنة.

 

وحدّد علاو في حديثٍ لـ"مصر العربية"، السبب في ذلك أنّه يهدف إلى تمزيق أسس قيامها الاجتماعي الذي يعتبر أكبر مرتكزات استقرارها على مر السنيين.

 

لكن "علاو" يعود بعجلة الحديث إلى الخلف نسبيًّا، ويوضح: "لم يُقدم الأسد الأب على إحداث تغيير ديموغرافي حقيقي في سوريا كونه أدرك تمامًا المعوقات والصعوبات التي تواجه هكذا تغيير".

 

ويضيف: "حافظ الأسد لجأ إلى إدارة ملف الديموغرافيا بسياسة توازن حرجة الغاية منها إضعاف الأكثرية السنية بالطريقة التي تضمن تثبيت حكمه".

 

إلا أنّ سياسات الأسد الابن - يرى السياسي السوري - أدّت إلى انهيار التوازنات التي أسس لها الأب وبدأت تطفو على السطح مشكلة ديموغرافية نتيجة أسباب عديدة.

 

هذه الأسباب فنّدها "علاو"، والاستراتيجية الإيرانية التي تحاول إحداث تحول في نسيج المجتمع السوري من خلال سياسة نشر التشيع تحقيقًا للحلم الفارسي الصفوي القاضي بتدمير العرب السنة وإخضاعهم وإذلالهم.

 

السبب الثاني - برأي علاو - موجات النزوح والهجرات التي استهدفت المنطقة الشرقية على وجه الخصوص على خلفية أزمة الجفاف التي عصفت بالمنطقة والتي أدت إلى انخفاض الوجود المسيحي نتيجة الهجرة إلى أوريا وهجرة العرب والكرد باتجاه مراكز المدن.

 

كما دفع الوضع الاقتصادي المتردي إلى زيادة عدد المهاجرين إلى أوروبا ودوّل الخليج.

 

ويتابع: "مع توضح معالم المشروع الإيراني بتغيير الديموغرافية السورية برعاية نظام الأسد حيث تمّ تبني سياسة العنف بأقصى درجاته لإجبار سكان مدن وبلدات بأكملها على إخلائها، وهذا الاقتلاع يجري على أساس مذهبي".

 

ويواصل: "هذه أول مرة في تاريخ سوريا يتعرض المكون السني إلى عملية تهجير ممنهجة وقسرية وذلك من أجل أن تحل محلها عائلات شيعية من خارج البلاد وتخطط ايران والنظام للحيلولة دون أن يعود هؤلاء المهجرون إلى مدنهم وبلداتهم".

 

ويقود ذلك - بحسب "السياسي السوري" - إلى اندلاع حروب أهلية طويلة إذا لم يتم تدارك الأمر من خلال طرحه على طاولة مفاوضات الحل السياسي العتيد وبإشراف أممي.

انت الان تتصفح خبر بعنوان التغيير الديمغرافي في سوريا.. بين كرسي العرش وتغيير الشعب ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا مصر العربية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق